ومنها -وهو من أخوفها على العبد- أنها تُضعِف القلبَ عن إرادته٢، فتقوى إرادة المعصية، وتضعف إرادة التوبة شيئًا فشيئًا إلى أن تنسلخ من قلبه إرادة التوبة بالكلية، فلو مات نصفه لما تاب إلى الله. فيأتي من الاستغفار وتوبة الكذّابين باللسان بشيء كثير، وقلبه معقود بالمعصية، مُصِرّ عليها، عازم على مواقعتها متى أمكنَتْه٣.
وهذا من أعظم الأمراض وأقربها إلى الهلاك.
فصل٤
ومنها: أنه ينسلخ٥ من القلب استقباحُها، فتصير٦ له عادةً، فلا يَستقبح من نفسه رؤيةَ الناس له، ولا كلامَهم فيه.
وهذا عند أرباب الفسوق هو غاية التهتّك وتمام اللذة، حتّى يفتخر أحدهم بالمعصية، ويحدّث بها من لم يعلم أنه عملها، فيقول: يا فلان عملتُ كذا وكذا!
(١) ل: "وكانوا".
(٢) "فصل … إرادته" لم يرد في ف. فقوله: "فكانوا أعوانًا عليه" موصول بقوله: "فتقوى إرادة المعصية".
(٣) ف: "أمكنه".
(٤) كلمة "فصل" لم ترد في ز.
(٥) ل: "أن تنسلخ".
(٦) ما عدا ف: "فيصير".
وهذا الضرب من الناس لا يُعافَون، وتسدّ عليهم طريق التوبة، وتغلق١ عنهم أبوابها في الغالب، كما قال النبي- ﷺ: "كل أمتي معافىً إلا المجاهرين. وإنّ من الإجهار أن يستر الله على العبد، ثم يُصبِح٢ يفضَح نفسه، ويقول: يا فلان عملتُ يوم كذا وكذا: كذا وكذا، فيهتك نفسَه، وقد بات يستره ربه"٣.
ومنها: أنّ كل معصية من المعاصي فهي ميراث عن أمة من الأمم التي أهلكها الله ﷿. فاللوطية: ميراث عن قوم لوط. وأخذُ الحق بالزائد، ودفعُه بالناقص: ميراث عن قوم شعيب. والعلو في الأرض والفساد: ميراث عن فرعون وقومه٤. والتكبّر والتجبر: ميراث عن قوم هود. فالعاصي لابس ثيابَ بعض هذه الأمم، وهم أعداء الله.
وقد روى عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد٥ لأبيه عن مالك بن دينار قال: أوحى الله إلى نبيّ من أنبياء بني إسرائيل أنْ قل لقومك: لا تدخلوا مداخل أعدائي، ولا تلبسوا ملابس أعدائي، ولا تركبوا مراكب أعدائي، ولا تطعموا مطاعم أعدائي؛ فتكونوا أعدائي، كما هم
(١) س: "يسدّ … ". ز: "يسدّ … ويغلق".
(٢) ز: "فيصبح".
(٣) من حديث أبي هريرة ﵁. أخرجه البخاري في الأدب، باب ستر المؤمن على نفسه (٦٠٦٩)؛ ومسلم في الزهد، باب النهي عن هتك الإنسان ستر نفسه (٢٩٩٠).
(٤) ما عدا س: "قوم فرعون".
(٥) لم أقف عليه، والذي فيه برقم ٥٢٣ من قول عقيل بن مدرك السلمي. وأخرجه ابن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف (٧٣) وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٧١) من قول مالك بن دينار.