الداء والدواء

يُذِلَّ من عصاه١.

وقال عبد الله بن المبارك٢:

رأيتُ الذنوب تميت القلوبَوقد يورث الذلَّ إدمانُها

وترك الذنوب حياة القلوب .... وخير لنفسك عصيانُها

وهل أفسد الدينَ إلا الملوكُوأحبارُ سَوء ورُهبانُها٣

فصل

ومنها: أنّ المعاصي تفسد العقل. فإِنّ للعقل نورًا، والمعصية تطفئ نور العقل، ولابدَّ؛ وإذا طفِئ نورُه ضعُفَ ونقَصَ.

وقال بعض السلف: ما عصى اللهَ أحدٌ حتّى يغيبَ عقله٤.

وهذا ظاهر، فإنّه لو حضره عقله٥ لَحجَزه عن المعصية، وهو في قبضة الربّ تعالى وتحت قهره، وهو٦ مطّلع عليه، وفي داره وعلى بساطه، وملائكتُه شهودٌ عليه ناظرون إليه، وواعظ القرآن ينهاه، وواعظ

  1. (١) نقله المصنف في إغاثة اللهفان (١٥٦، ٩٢١)، وروضة المحبين (٢٠١). ونقله أبو نعيم في الحلية (٢/ ١٧٧) بلفظ قريب منه. وانظر العقد (٢/ ٢٠٣).
  2. (٢) ف: "وقال ابن المبارك".
  3. (٣) بهجة المجالس (٣/ ٣٣٤). وانظر زاد المعاد (٤/ ٢٠٣) والمدارج (٣/ ٢٦٤).
  4. (٤) أخرجه ابن حبان في الثقات (٧/ ٦٥٨) بسنده عن أبي العالية قال: "ما عصى الله عبدٌ إلا من جهالة". وجاء هذا المعنى عن مجاهد وغيره. وقال المناوي في فيض القدير (١/ ٨٦): "ولهذا قال حكيم … " فذكره.
  5. (٥) ل: "حضر عقله".
  6. (٦) ز: "وتحت قدرته هو".
147

الإيمان ينهاه، وواعظ الموت ينهاه١، وواعظ النار ينهاه، والذي يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة أضعافُ أضعاف ما يحصل له من السرور واللذة بها، فهل يُقدِم على الاستهانة بذلك كلّه والاستخفافِ به ذو عقل سليم؟

فصل

ومنها: أنّ الذنوب إذا تكاثرت طُبعَ على قلب صاحبها، فكان من الغافلين؛ كما قال بعض السلف في قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ١٤﴾ [المطففين: ١٤] قال: هو الذنب بعد الذنب٢.

وقال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب٣.

وقال غيره: لما كثرت ذنوبهم ومعاصيهم أحاطت بقلوبهم٤.

وأصل هذا أنّ القلب يصدأ من المعصية، فإن٥ زادت غلب

  1. (١) "وواعظ الموت ينهاه" ساقط من س.
  2. (٢) في المدارج (٣/ ٢٢٣): "قال ابن عباس وغيره: هو الذنب بعد الذنب يغطي القلب حتى يصير كالرّان عليه" (ص). أخرجه البيهقي في الشعب (٦٨١٢) عن إبراهيم بن أدهم (ز).
  3. (٣) تفسير الطبري (٢٤/ ٢٠١). وذكر المصنف نحوه في شفاء العليل (٩٤) عن مجاهد (ص). أخرجه ابن أبي الدنيا في التوبة (١٩٦) قال الحسن: "تدرون ما الإرانة؟ الذنب بعد الذنب حتى يموت القلب". وأخرج في العقوبات (٧٠) عن محمَّد بن واسع: "الذنب على الذنب يميت القلب" (ز).
  4. (٤) نسبه المؤلف في شفاء العليل (٩٤) إلى الفرّاء، وهو في معاني القرآن له (٣/ ٢٤٦).
  5. (٥) ف: "فإذا".
148

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي