كما أنّ هذه المعاصي من آثار تلك الجرائم. فتناسبت حكمة الله١ وحكمه الكوني أولًا وآخرًا، وكان العظيم من العقوبة للعظيم من الجناية، والأخف للأخف. وهكذا يحكم سبحانه بين خلقه في دار البرزخ ودار الجزاء.
وتأمّلْ مقارنةَ الشيطان ومحلَّه ودارَه، فإنّه لما قارن٢ العبدَ واستولى عليه، نُزِعَت البركةُ من عمره، وعمله، وقوله، ورزقه. ولمّا أثرت طاعتُه في الأرض ما أثّرت نُزِعَت البركةُ من كلّ محلّ ظهرت فيه طاعته. وكذلك مسكنه لما كان الجحيم لم يكن هناك شيء من الرَّوح والرّحمة والبركة.
فصل
ومن عقوبات الذنوب: أنّها تطفئ من القلب نارَ الغيرة التي هي لحياته وصلاحه كالحرارة الغريزية لحياة جميع البدن. فالغيرة حرارته وناره التي تُخرج ما فيه من الخَبَث والصفات المذمومة، كما يُخرج الكِيرُ خَبَث الذهب والفضة والحديد. وأشرف الناس وأعلاهم همّةً أشدُّهم٣ غيرة على نفسه، وخاصته، وعموم الناس.
ولهذا كان النبي ﷺ أغيرَ الخلق على الأمة، والله سبحانه أشدّ غيرةً منه، كما ثبت في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أغيَرُ منه، والله أغيَرُ منّي"٤.
(١) ف: "كلمة الله"، تحريف.
(٢) ز: "قارب".
(٣) س: "أشرفهم"، تحريف.
(٤) من حديث المغيرة بن شعبة ﵁. أخرجه البخاري في الحدود، باب =
وفي الصحيح أيضًا عنه أنّه قال في خطبة الكسوف: "يا أمَّةَ محمَّد، ما أحدٌ أغيرَ من الله أن يزنيَ عبدُه، أو تزنيَ أمَتُه"١.
وفي الصحيح أيضا عنه أنّه٢ قال: "لا أحدَ أغيرُ من الله، من أجل ذلك حرّم الفواحشَ ما ظهر منها وما بطن. ولا أحدَ أحبُّ إليه العذرُ من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشِّرين ومنذرين. ولا أحدَ أحبُّ إليه المدحُ من الله، من أجل ذلك أثنى على نفسه"٣.
فجمع في هذا الحديث بين الغيرةِ التي أصلُها كراهةُ القبائح وبغضُها٤، ومحبةِ العذرِ الذي يوجب كمال العدل والرحمة والإحسان. وأنّه سبحانه مع شدّة غيرته يحِبّ أن يعتذر إليه عبدُه، ويقبل
عذرَ من اعتذر إليه، وأنّه لا يؤاخذ عبيده بارتكاب ما يَغار من ارتكابه حتى يُعذِرَ إليهم. ولأجل ذلك أرسل رسله، وأنزل كتبه إعذارًا وإنذارًا.
وهذا غاية المجد والإحسان، ونهاية الكمال، فإنّ كثيرًا ممن تشتدّ غيرته من المخلوقين تحمله شدّةُ الغيرة على سرعة الإيقاع٥ والعقوبة
= من رأى مع امرأته رجلًا فقتله (٦٨٤٦)؛ ومسلم في كتاب اللعان (١٤٩٩) وسعد هو سعد بن عبادة ﵁.
(١) من حديث عائشة ﵂. أخرجه البخاري في الكسوف، باب الصدقة في الكسوف (١٠٤٤)؛ ومسلم في الكسوف، باب صلاة الكسوف (٩٠١).
(٢) "أنه" لم يرد في ف.
(٣) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. أخرجه البخاري في التفسير، باب ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ (٤٦٣٤)؛ ومسلم في التوبة، باب غيرة الله تعالى (٢٧٦٠).