وفي الصحيح أيضًا عنه أنّه قال في خطبة الكسوف: "يا أمَّةَ محمَّد، ما أحدٌ أغيرَ من الله أن يزنيَ عبدُه، أو تزنيَ أمَتُه"١.
وفي الصحيح أيضا عنه أنّه٢ قال: "لا أحدَ أغيرُ من الله، من أجل ذلك حرّم الفواحشَ ما ظهر منها وما بطن. ولا أحدَ أحبُّ إليه العذرُ من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشِّرين ومنذرين. ولا أحدَ أحبُّ إليه المدحُ من الله، من أجل ذلك أثنى على نفسه"٣.
فجمع في هذا الحديث بين الغيرةِ التي أصلُها كراهةُ القبائح وبغضُها٤، ومحبةِ العذرِ الذي يوجب كمال العدل والرحمة والإحسان. وأنّه سبحانه مع شدّة غيرته يحِبّ أن يعتذر إليه عبدُه، ويقبل
عذرَ من اعتذر إليه، وأنّه لا يؤاخذ عبيده بارتكاب ما يَغار من ارتكابه حتى يُعذِرَ إليهم. ولأجل ذلك أرسل رسله، وأنزل كتبه إعذارًا وإنذارًا.
وهذا غاية المجد والإحسان، ونهاية الكمال، فإنّ كثيرًا ممن تشتدّ غيرته من المخلوقين تحمله شدّةُ الغيرة على سرعة الإيقاع٥ والعقوبة
= من رأى مع امرأته رجلًا فقتله (٦٨٤٦)؛ ومسلم في كتاب اللعان (١٤٩٩) وسعد هو سعد بن عبادة ﵁.
(١) من حديث عائشة ﵂. أخرجه البخاري في الكسوف، باب الصدقة في الكسوف (١٠٤٤)؛ ومسلم في الكسوف، باب صلاة الكسوف (٩٠١).
(٢) "أنه" لم يرد في ف.
(٣) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. أخرجه البخاري في التفسير، باب ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ (٤٦٣٤)؛ ومسلم في التوبة، باب غيرة الله تعالى (٢٧٦٠).
(٤) ف: "القبائح بغضًا".
(٥) ف: "شدة الإيقاع".
من غير إعذار منه، ومن غير قَبولٍ لِعذر من اعتذر إليه؛ بل يكون له في نفس الأمر عذرٌ، ولا تَدَعُه شدةُ الغيرة أنَ يقبل عذرَه. وكثير ممن يقبل المعاذير يحمله على قبولها قلّةُ الغيرة حتى يتوسّع في طرق المعاذير، ويرى١ عذرًا ما ليس بعذر، حتى يعذِر كثير منهم بالقدَر.
وكلٌّ منهما غيرُ ممدوح على الإطلاق. وقد صحّ عن النبي ﷺ أنه قال: "إنّ من الغيرة ما يحبّها الله، ومنها ما يبغضه الله. فالتي يبغضها٢ الغيرةُ في غير ريبة"٣. وذكر الحديث٤. وإنّما الممدوح اقتران المغيرة
(١) ف: "ويرى في طرق المعاذير".
(٢) ل: "يبغضها الله".
(٣) س: "من غير ريبة".
(٤) أخرجه أحمد ٤/ ١٥٤ (١٧٣٩٨) وعبد الرزاق في الجامع ١٠/ ٤٠٩ - ٤١٠ (١٩٥٢٢) والطبراني ١٧/ ٣٤٠ (٩٣٩) وابن خزيمة (٢٤٧٨) وغيرهم، من طريق معمر عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن عبد الله بن زيد الأزرق عن عقبة بن عامر فذكره. ورواه هشام الدستوائي عن يحيى قال: حُدِّثتُ أن أبا سلام قال حدثني عبد الله بن زيد أن عقبة بن عامر قال، فذكره. أخرجه الطبراني ١٧/ ٣٤١ (٩٤٠). ورواه أبان العطار والأوزاعي وحجاج الصواف وحرب بن شداد كلهم عن يحيى بن أبي كثير عن محمَّد بن إبراهيم التيمي عن ابن جابر بن عتيك عن أبيه فذكره. أخرجه أحمد (٢٣٧٤٧، ٢٣٧٤٨، ٢٣٧٥٢) والطبرانى ٢/ ١٨٩ - ١٩٠ (١٧٧٣ - ١٧٧٧) وابن حبان (٢٩٥) وغيرهم. ورواه شيبان واختلف عنه، فرواه عبيد الله بن موسى عن شيبان مثل رواية الجماعة. أخرجه الطبراني ٢/ ١٩٠ (١٧٧٧). ورواه وكيع عن شيبان عن يحيى فجعله من مسند أبي هريرة. أخرجه ابن ماجه (١٩٩٦). وطريق الجماعة هو أرجحها مع أن فيه ابن جابر بن عتيك وهو إما =