بالعذر، فيغار في محل الغيرة، ويعذِر في موضع العذر. ومن كان هكذا فهو الممدوح حقًا.
ولما جمع سبحانه صفات الكمال كلَّها كان أحقَّ بالمدح من كلّ أحد، ولا يبلغ أحد أن يمدحَه كما ينبغي له، بل هو كما مدح نفسَه وأثنى على نفسه.
فالغيور قد وافق ربّه سبحانه في صفة من صفاته، ومن وافق١ الله في صفة من صفاته قادته تلك الصفة إليه بزمامه٢، وأدخلَتْه على ربّه، وأدْنَتْه منه، وقرّبتْه من رحمته، وصيّرتْه محبوبًا له. فإنه سبحانه رحيم يحبّ الرحماء، كريم يحب الكرماء، عليم يحبّ العلماء، قوي يحبّ المؤمن القوي، وهو أحب إليه من المؤمن الضعيف،٣ حييّ يحبّ أهل الحياء٤، جميل يحبّ الجمال، وِتْر يحبّ الوتر٥.
= عبد الرحمن، وهو مجهول؛ أو أبو سفيان كما جزم به ابن حبان وفيه جهالة. والحديث صححه ابن حبان والحاكم وابن حجر وغيرهم، وفيه نظر. انظر حاشية الأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٤٦٧ - ٤٦٩).
(١) "ربه … وافق" ساقط من ل.
(٢) ز: "بزمامه إليه". ل: "إليه تلك الصفة بزمامه".
(٣) كما في حديث أبي هريرة ﵁. أخرجه مسلم في كتاب القدر، باب الإيمان بالقدر (٢٦٦٤).
(٤) في حديث يعلي بن أمية أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله تعالى حيي ستير، يحبّ الحياء والستر". أخرجه أحمد (٤/ ٢٢٤) وأبو داود (٤٠١٢) والنسائي (٤٠٤). وانظر تحقيق المسند (٢٩/ ٤٨٣ - ٤٨٤).
(٥) كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁. أخرجه البخاري في الدعوات، باب لله مائة اسم غير واحدة (٦٤١٠)، ومسلم في الذكر والدعاء، باب في أسماء الله تعالى (٢٦٧٧).
ولو لم يكن في الذنوب والمعاصي إلّا أنها توجب لصاحبها ضدَّ هذه الصفات، وتمنعه من الاتصاف بها لكفى بها عقوبةً. فإنّ الخطرة تنقلب وسوسة، والوسوسة تصير إرادةً، والإرادة تقوى فتصير عزيمة، ثم تصير فعلًا، ثم تصير صفة لازمة وهيئة ثابتة راسخة، وحينئذ يتعذر الخروج منها كما يتعذر عليه١ الخروج من صفاته القائمة به٢.
والمقصود أنه كلّما اشتدّت ملابسته الذنوب٣ أخرجت من القلب الغيرةَ على نفسه وأهله وعموم الناس، وقد تضعف في القلب جدًّا حتى لا يستقبح بعد ذلك القبيح، لا من نفسه ولا من غيره. وإذا وصل إلى هذا الحد فقد دخل في باب الهلاك.
وكثير من هؤلاء لا يقتصر على عدم الاستقباح، بل يحسِّن الفواحش والظلم لغيره، ويزينه له، ويدعوه إليه، ويحثّه عليه، ويسعى له في تحصيله. ولهذا كان الديّوث أخبث خلق الله، والجنة حرام عليه٤. وكذلك محلّل الظلم والبغي لغيره، ومزيّنه له. فانظر ما الذي حملت عليه قلة المغيرة!
وهذا يدلّك على أنّ أصل الدين الغيرة، ومن لا غيرة له لا دين له.
فالغيرة تُحمي القلبَ، فتحمَى له الجوارحُ، فتدفع السوء والفواحش.
(١) "عليه" من ل، ز.
(٢) "به" ساقط من س.
(٣) ما عدا ل: "ملابسة الذنوب".
(٤) كما في حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاث لا يدخلون الجنّة ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق بوالديه، والمرأة المترجّلة المتشبهة بالرجال، والديوث … " أخرجه الإِمام أحمد في المسند (٦١٨٠) وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي. انظر تحقيق المسند ١٠/ ٣٢٢ (ص).