الداء والدواء

ولو لم يكن في الذنوب والمعاصي إلّا أنها توجب لصاحبها ضدَّ هذه الصفات، وتمنعه من الاتصاف بها لكفى بها عقوبةً. فإنّ الخطرة تنقلب وسوسة، والوسوسة تصير إرادةً، والإرادة تقوى فتصير عزيمة، ثم تصير فعلًا، ثم تصير صفة لازمة وهيئة ثابتة راسخة، وحينئذ يتعذر الخروج منها كما يتعذر عليه١ الخروج من صفاته القائمة به٢.

والمقصود أنه كلّما اشتدّت ملابسته الذنوب٣ أخرجت من القلب الغيرةَ على نفسه وأهله وعموم الناس، وقد تضعف في القلب جدًّا حتى لا يستقبح بعد ذلك القبيح، لا من نفسه ولا من غيره. وإذا وصل إلى هذا الحد فقد دخل في باب الهلاك.

وكثير من هؤلاء لا يقتصر على عدم الاستقباح، بل يحسِّن الفواحش والظلم لغيره، ويزينه له، ويدعوه إليه، ويحثّه عليه، ويسعى له في تحصيله. ولهذا كان الديّوث أخبث خلق الله، والجنة حرام عليه٤. وكذلك محلّل الظلم والبغي لغيره، ومزيّنه له. فانظر ما الذي حملت عليه قلة المغيرة!

وهذا يدلّك على أنّ أصل الدين الغيرة، ومن لا غيرة له لا دين له.

فالغيرة تُحمي القلبَ، فتحمَى له الجوارحُ، فتدفع السوء والفواحش.

  1. (١) "عليه" من ل، ز.
  2. (٢) "به" ساقط من س.
  3. (٣) ما عدا ل: "ملابسة الذنوب".
  4. (٤) كما في حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاث لا يدخلون الجنّة ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق بوالديه، والمرأة المترجّلة المتشبهة بالرجال، والديوث … " أخرجه الإِمام أحمد في المسند (٦١٨٠) وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي. انظر تحقيق المسند ١٠/ ٣٢٢ (ص).
167

وعدمُ الغيرة يميت١ القلبَ، فتموت الجوارح، فلا يبقى عندها دفع البتة.

ومَثلُ الغيرة في القلب كمثلِ٢ القوة التي تدفع المرض وتقاومه، فإذا ذهبت القوة وجد الداءُ المحل قابلًا، ولم يجد دافعًا، فتمكّن، فكان الهلاك. ومَثلُها مثل صياصي الجاموس٣ التي يدفع٤ بها عن نفسه وولده، فإذا كُسِرَت طمع فيه عدوّه.

فصل

ومن عقوباتها: ذهاب الحياء الذي هو مادة الحياة للقلب، وهو أصل كل خير، وذهابُه ذهابُ الخير أجمعه.

وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "الحياء خير كله"٥.

وقال: "إنّ مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستَحْي٦ فاصنَعْ ما شئتَ! "٧.

وفيه تفسيران:

أحدهما: أنه على التهديد والوعيد، والمعنى: من لم يستح فإنّه

  1. (١) ما عدا س: "تميت"، وهو تصحيف، ولا يصحّ هنا أن يرجع الضمير إلى الغيرة.
  2. (٢) س، ف: "مثل".
  3. (٣) يعني: قرونه.
  4. (٤) ف: "الذي يدفع".
  5. (٥) من حديث عمران بن حصين ﵁. أخرجه مسلم في الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان … (٣٧).
  6. (٦) ل: "لم تستح"، وكلاهما وارد.
  7. (٧) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء (٣٤٨٣، ٣٤٨٤) من حديث أبي مسعود ﵁.
168

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي