الداء والدواء

بمعاصي الله، ولا يستخِفّ به الخلق؟

وقد أشار سبحانه إلى هذا١ في كتابه عند ذكر عقوبات الذنوب، وأنه أركس أربابَها بما كسبوا، وغطّى على قلوبهم، وطبع٢ عليها بذنوبهم، وأنّه نسيهم كما نسوه، وأهانهم كما أهانوا دينه، وضيّعهم كما ضيّعوا أمره.

ولهذا قال تعالى في آية سجود المخلوقات له: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج: ١٨]، فإنهم٣ لما هان عليهم السجود له، واستخفّوا به، ولم يفعلوه، أهانهم، فلم يكن لهم من مُكرِمٍ بعد أن أهانهم. ومن ذا يكرِم من أهانه الله، أو يهين من أكرمه الله٤؟

فصل

ومن عقوباتها: أنّها تستدعي نسيانَ الله لعبده، وتركَه، وتخليتَه بينه وبيّن نفسه وشيطانه. وهناك الهلاك الذي لا يرجى٥ معه نجاة.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ١٨ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ١٩﴾ [الحشر: ١٨ - ١٩].

فأمر٦ بتقواه، ونهى أن يتشبّه عباده المؤمنون بمن نسيَه بترك

  1. (١) "إلى هذا" ساقط من ز.
  2. (٢) ف: "فطبع".
  3. (٣) ز: "فإنه". وفي س: "كأنهم"، تحريف.
  4. (٤) ف: "أكرم الله".
  5. (٥) س: "لا ترجى".
  6. (٦) ف: "فأمر الله".
172

تقواه، وأخبر أنه عاقب من ترك التقوى بأن أنساه نفسه، أي أنساه مصالحَها، وما ينجيها من عذابه، وما يوجب له الحياة الأبدية وكمال لذتها١ وسرورها ونعيمها، فأنساه ذلك كلَّه جزاءً لما نسيه من عظمته وخوفه والقيام بأمره. فترى العاصي مهمِلًا لمصالح نفسه، مضيِّعًا لها، قد أغفل الله قلبه عن ذكره، واتّبع هواه، وكان أمره فرطًا. قد انفرطت عليه مصالح دنياه وآخرته، وقد فرّط في سعادته الأبدية، واستبدل بها أدنى ما يكون من لذّة إنما هي سحابة صيف٢ أو خيال طيف!

أحلامُ نومٍ أو كظلّ زائلإنّ اللبيبَ بمثلها لا يُخدَعُ٣

وأعظمُ العقوبات نسيانُ العبد لنفسه، وإهمالُه لها، وإضاعتُه٤ حظَّها ونصيبَها من الله، وبيعُها ذلك بالغبن والهوان وأبخس الثمن.

فضيَّعَ من لا غنى له عنه، ولا عوض له منه، واستبدل به مَن عنه كلُّ الغنى، ومنه كلُّ العِوَض.

من كلّ شيء إذا ضيّعتَه عوضٌوما من الله إنْ ضيّعتَه عوضُ٥
  1. (١) ز: "كماله بها"، تحريف.
  2. (٢) ز: "سحابة من صيف".
  3. (٣) أنشده المؤلف في عدة الصابرين (٣٥٦)، ومفتاح دار السعادة (١/ ٤٦٢) أيضًا. وهو من أبيات لعمران بن حِطان في خزانة الأدب (٥/ ٣٦١). وانظر شعر الخوارج (١٥٥).
  4. (٤) ز: "إضاعة".
  5. (٥) أنشده المؤلف في زاد المعاد (٤/ ١٩٢) ومفتاح دار السعادة (٣/ ٣٥). وسيأتي مرة أخرى في ص (٤٦٥). وهو بدون عزو في طبقات الشافعية (٨/ ٢٢٨)، وفيه: "في كل شي … وليس في الله". وفي س حاشية لبعض القرّاء نصّها: =
173

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي