تقواه، وأخبر أنه عاقب من ترك التقوى بأن أنساه نفسه، أي أنساه مصالحَها، وما ينجيها من عذابه، وما يوجب له الحياة الأبدية وكمال لذتها١ وسرورها ونعيمها، فأنساه ذلك كلَّه جزاءً لما نسيه من عظمته وخوفه والقيام بأمره. فترى العاصي مهمِلًا لمصالح نفسه، مضيِّعًا لها، قد أغفل الله قلبه عن ذكره، واتّبع هواه، وكان أمره فرطًا. قد انفرطت عليه مصالح دنياه وآخرته، وقد فرّط في سعادته الأبدية، واستبدل بها أدنى ما يكون من لذّة إنما هي سحابة صيف٢ أو خيال طيف!
أحلامُ نومٍ أو كظلّ زائلإنّ اللبيبَ بمثلها لا يُخدَعُ٣
وأعظمُ العقوبات نسيانُ العبد لنفسه، وإهمالُه لها، وإضاعتُه٤ حظَّها ونصيبَها من الله، وبيعُها ذلك بالغبن والهوان وأبخس الثمن.
فضيَّعَ من لا غنى له عنه، ولا عوض له منه، واستبدل به مَن عنه كلُّ الغنى، ومنه كلُّ العِوَض.
من كلّ شيء إذا ضيّعتَه عوضٌوما من الله إنْ ضيّعتَه عوضُ٥
(١) ز: "كماله بها"، تحريف.
(٢) ز: "سحابة من صيف".
(٣) أنشده المؤلف في عدة الصابرين (٣٥٦)، ومفتاح دار السعادة (١/ ٤٦٢) أيضًا. وهو من أبيات لعمران بن حِطان في خزانة الأدب (٥/ ٣٦١). وانظر شعر الخوارج (١٥٥).
(٤) ز: "إضاعة".
(٥) أنشده المؤلف في زاد المعاد (٤/ ١٩٢) ومفتاح دار السعادة (٣/ ٣٥). وسيأتي مرة أخرى في ص (٤٦٥). وهو بدون عزو في طبقات الشافعية (٨/ ٢٢٨)، وفيه: "في كل شي … وليس في الله". وفي س حاشية لبعض القرّاء نصّها: =
فالله سبحانه يعوّض عن كلّ ما سواه١، ولا يعوّض منه شيء.
ويغني عن كل شيء، ولا يغني عنه شيء. ويمنع من كل شيء٢، ولا يمنع منه شيء. ويجير من كل شيء، ولا يجير منه شيء٣. فكيف يستغني العبد عن طاعةِ مَن هذا شأنُه طرفةَ عين؟
وكيف ينسى ذكره ويضيّع أمرَه حتى يُنسيَه نفسَه، فيخسرَها، ويظلمَها أعظمَ الظلم؟ فما ظلم العبدُ ربَّه، ولكن ظلم٤ نفسَه. وما ظلمه ربه، ولكن هو الذي ظلم نفسَه!
فصل
ومن عقوباتها: أنّها تُخرِجُ العبدَ من دائرة الإحسان، وتمنعه ثوابَ المحسنين. فإنّ الإحسان إذا باشر القلبَ منَعَه من المعاصي٥، فإن من عَبَدَ الله كأنّه يراه لم يكن ذلك إلا لاستيلاء ذكره ومحبته وخوفه ورجائه على قلبه، بحيث يصير كأنه يشاهده، وذلك يحول بينه وبيّن إرادة المعصية، فضلًا عن مواقعتها. فإذا خرج من دائرة الإحسان فاته صحبةُ رُفَقِه٦ الخاصة، وعيشُهم الهنيء، ونعيمُهم التام.
= "لأبي حنيفة ﵀، وهو آخر ما تكلم به عند موته: لكل شيء إذا فارقته عوض … وليس لله إن فارقته عوض"
(١) س: "كل شيء سواه".
(٢) "ولا يغني … كل شيء" ساقط من ل.
(٣) "ويجير … شيء" مقدّم في ف على "ويمنح … شيء".
(٤) في س: "يظلم" هنا وفي الجملة السابقة.
(٥) س: "عن المعاصي".
(٦) كذا في النسخ كلها دون ضبط. و"الرُّفَق" جمع الرفقة كالرِّفاق. وفي ط: "رفقته" وأخشى أن يكون الصواب: "فاتته رفقة الخاصة" أي صحبتهم، وتكون كلمة "صحبة" مقحمة، كما قال بعد قليل: "فاته رفقة المؤمنين". و"فاته" ساقط من ل.