الداء والدواء

ومنها: الودّ الذي يجعله سبحانه لهم١، وهو أنّه يحبّهم ويحبّبُهم إلى ملائكته وأنبيائه وعباده الصالحين.

ومنها: أمانهم من الخوف يومَ يشتدّ الخوف. ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ٤٨﴾٢ [الأنعام: ٤٨].

ومنها: أنهم المنعَم عليهم الذين أمرنا أن نسأله أن يهديَنا إلى صراطهم في كلّ يوم وليلة سبعَ عشرةَ مرّةً.

ومنها: أنّ القرآن إنّما هو هدىً لهم وشفاء. ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ٤٤﴾ [فصلت: ٤٤].

والمقصود أنّ الإيمان سبب جالب لكل خير، وكلُّ خير في الدنيا والآخرة فسببُه الإيمان٣، وكلُّ شرّ في الدنيا والآخرة فسببُه عدمُ الإيمان. فكيف يهون على العبد أن يرتكب شيئًا يخرجه من دائرة الإيمان ويحول بينه وبينه؟ ولكن لا يُخرج من دائرة عموم المسلمين، فإنْ استمرّ على الذنوب وأصرّ عليها خيف عليه أن يرين على قلبه، فيخرجه عن الإِسلام بالكلية. ومن هنا اشتدّ خوفُ السلف، كما قال بعضهم: أنتم تخافون الذنوب، وأنا أخاف الكفر٤!

  1. = لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨)﴾ [الحديد: ٢٨].
  2. (١) قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ٩٦﴾ [مريم: ٩٦].
  3. (٢) في جميع النسخ: "فمن آمن وعمل صالحًا فلا خوف … "، وهو سهو.
  4. (٣) "وكل خير … الإيمان" ساقط من ز.
  5. (٤) ذكر نحوه مكي في قوت القلوب (١/ ٤٦٢ طبعة الحلبي ١٣٨١ هـ) عن =
177

فصل

ومن عقوباتها: أنها تُضْعِفُ سيرَ القلب إلى الله والدار الآخرة، أو تعوقه، أو توقفه وتقطعه عن السير، فلا تدَعه يخطو إلى الله خطوةً. هذا إن لم تردّه عن وجهته إلى ورائه! فالذنب يحجب الواصل، ويقطع

السائر، وينكس الطالب. والقلب إنّما يسير إلى الله بقوته، فإذا مرض بالذنوب ضعفت تلك القوة التي تسيّره. فإن زالت بالكلّية انقطع عن الله انقطاعًا يبعُد تداركُه، والله المستعان.

فالذنب إما أن يميت القلب، أو يُمرضَه مرضًا مخوفًا، أو يضعف١ قوته، ولا بدّ، حتى ينتهي ضعفه إلى الأشياء الثمانية التي استعاذ منها٢ النبي ﷺ. وهي: الهمّ والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلَع الدَّين وغلبة الرجال٣.

وكل اثنين منها قرينان: فالهم والحزن قرينان، فإن المكروه الوارد على القلب إن كان من أمر مستقبل يتوقّعه أحدثَ الهمَّ، وإن كان من أمر ماضٍ قد وقع أحدثَ الحزَنَ.

  1. = المسيح ﵇ أنه قال: "يا معشر الحواريين أنتم تخافون المعاصي وأنا أخاف الكفر"، وذكر عن سهل التستري أنه قال: "المريد يخاف أن يبتلى بالمعاصي، والعارف يخاف أن يبتلى بالكفر". وانظر طريق الهجرتين (٩٣).
  2. (١) ل: "ويضعف".
  3. (٢) ز: "بها"، خطأ.
  4. (٣) أخرجه البخاري في الدعوات، باب الاستعاذة من الجبن والكسل (٦٣٦٩) وغيره من حديث أنس بن مالك ﵁. وانظر صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء (٢٧٠٦).
178

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي