والعجز والكسل قرينان، فإنّ تخلّفَ العبد عن أسباب الخير والفلاح إن كان لعدم قدرته فهو العجز، وإن كان لعدم إرادته فهو الكسل.
والجبن والبخل قرينان، فإن عدم النفع منه إن كان ببدنه فهو الجبن، وإن كان بماله فهو البخل.
وضلَع الدين وقهر الرجال قرينان، فإنّ استعلاء الغير عليه إن كان بحق فهو من ضلَع الدين، وإن كان بباطل فهو قهر الرجال١.
والمقصود أنّ الذنوب من أقوى الأسباب الجالبة لهذه الثمانية، كما أنها من أقوى الأسباب الجالبة لجهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء٢؛ ومن أقوى الأسباب الجالبة لزوال نعم الله وتحوُّل عافيته، وفجاءة نقمته، وجميع سَخَطه٣.
فصل
ومن عقوبات الذنوب أنها تُزيل النِّعم وتُحِلّ النِّقَم. فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، ولا حلّت به نقمة إلا بذنب؛ كما قال علي بن أبي طالب ﵁: ما نزل بلاءً إلا بذنب، ولا رُفِعَ بلاءً إلا بتوبة٤.
(١) وانظر شرح الحديث في طريق الهجرتين (٨٦)، ومفتاح دار السعادة (١/ ٣٧٥)، وبدائع الفوائد (٧١٤).
(٢) جاء التعوذ منها في حديث أبي هريرة ﵁. أخرجه البخاري في الدعوات، باب التعوذ من جهد البلاء (٦٣٤٧)؛ ومسلم في الذكر والدعاء، باب في التعوذ من سوء القضاء … (٢٧٠٧).
(٣) وجاء التعوذ منها في حديث ابن عمر ﵄. أخرجه مسلم في الذكر والدعاء، باب أكثر أهل الجنّة الفقراء … (٢٧٣٩).
(٤) كذا نقله المصنف في طريق الهجرتين أيضًا عن علي بن أبي طالب رضي الله =
وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ٣٠﴾[الشورى: ٣٠].
فأخبر تعالى٢ أنه لا يغيّر نعَمه التي أنعم٣ بها على أحد حتى يكون هو الذي يغيّر ما بنفسه، فيغيّر طاعةَ الله بمعصيته، وشكرَه بكفره، وأسبابَ رضاه بأسباب سخطه. فإذا غَيَّرَ غُيِّرَ٤ عليه جزاءً وفاقًا، وما ربّك بظلّام للعبيد. فإنْ غيّر المعصيةَ بالطاعة غيّر الله عليه العقوبةَ بالعافية، والذلَّ بالعز.
وفي بعض٥ الآثار الإلهية عن الربّ ﵎ أنّه قال: وعزّتي وجلالي، لا يكون عبد من عَبِيدي٦ على ما أحِبّ، ثم ينتقل عنه
= عنه. ولكن شيخ الإِسلام نسبه في مجموع الفتاوى (٨/ ١٦٣) إلى عمر بن عبد العزيز ﵀ (ص). وقد ورد من دعاء العباس بن عبد المطلب في الاستسقاء بلفظ "اللهم إنه لم ينزل بلاءً إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة … " أخرجه ابن عساكر في تاريخه (٢٦/ ٣٥٩) بسند ضعيف جدًا (ز).