الداء والدواء

العيشِ عيشُ المستوحشين الخائفين، وأطيبُ العيش عيشُ المستأنسين. فلو نظر١ العاقل، ووازن بين لذة المعصية وما تُوقِعُه٢ من الخوف والوحشة، لَعلِمَ سوءَ حاله وعظيم غَبْنه، إذ باع أنس الطاعة وأمنها وحلاوتها بوحشة المعصية وما توجبه من الخوف.

فإن كنتَ قد أوحشتك الذنوبُفدَعْها إذا شئتَ واستأْنسِ٣

وسرّ المسألة أنّ الطاعة تُوجب القربَ من الربّ، وكلّما٤ اشتدّ القرب قوي الإنس؛ والمعصية توجب البعدَ من الربّ، وكلّما ازداد البعد قويت الوحشة. ولهذا يجد العبد وحشةً بينه وبيّن عدوّه للبعد الذي بينهما، وإن كان ملابسًا له قريبًا منه، ويجد أنسًا وقربًا٥ بينه وبيّن من يحبّ، وإن كان بعيدًا عنه.

والوحشة سببها الحجاب، وكلّما غلظ الحجاب زادت الوحشة٦. فالغفلة توجب الوحشة، وأشدُّ منها وحشةُ المعصية، وأشدُّ منها وحشةُ الشرك والكفر. ولا تجد أحدًا يلابس شيئًا من ذلك إلا ويعلوه من الوحشة بحسب ما لابَسَه منه، فتعلو الوحشةُ وجهَه وقلبَه، فيستوحِشُ٧، ويُستوحَشُ منه.

  1. (١) ز: "فكر".
  2. (٢) ف: "توقع".
  3. (٣) سبق في ص (١٣٣).
  4. (٤) ف: "فكلّما".
  5. (٥) ل: "قربًا وأنسًا".
  6. (٦) "والوحشة سببها … الوحشة" ساقط من ز.
  7. (٧) "فيستوحش" ساقط من س.
183

فصل

ومن عقوباتها: أنها تصرِفُ القلبَ عن صحّته واستقامته إلى مرضه وانحرافه، فلا يزال مريضًا معلولًا، لا ينتفع بالأغذية التي بها حياته وصلاحه. فإنّ تأثير الذنوب في القلوب كتأثير الأمراض في الأبدان، بل الذنوب أمراض القلوب وأدواؤها١، ولا دواء لها إلا تركها.

وقد أجمع السائرون إلى الله أنّ القلوب لا تعطَى مُناها حتّى تصل إلى مولاها٢، ولا تصل إلى مولاها حتى تكون صحيحة سليمة، ولا تكون صحيحة سليمة حتى ينقلب داؤها فيصير نفس دوائها. ولا يصحّ لها٣ ذلك إلا بمخالفة هواها، فهواها٤ مرضها، وشفاؤها مخالفته، فإن استحكم المرضُ قتَلَ أو كاد.

وكما أنّ من نهى نفسه عن الهوى كانت الجنّة مأواه، فكذا يكون قلبه في هذه الدار في جنة عاجلة لا يشبه نعيمَ أهلها نعيمٌ البتة، بل التفاوت الذي بين النعيمين كالتفاوت الذي بين نعيم الدنيا والآخرة. وهذا أمر لا يصدّق به إلا من باشر قلبه هذا وهذا.

ولا تحسبْ أنّ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ١٣ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ١٤﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤]، مقصور على نعيم الآخرة وجحيمها فقط، بل في دورهم الثلاثة هم كذلك، أعني: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار

  1. (١) س، ز: "داؤها". ل: "دواها"، وهو تحريف ما أثبتنا من ف.
  2. (٢) "وقد أجمع … مولاها" ساقط من س.
  3. (٣) "لها" ساقط من س. وفي ل: "لا يصلح لها".
  4. (٤) س، ل: "وهواها".
184

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي