الداء والدواء

فصل

ومن عقوباتها: أنها تصرِفُ القلبَ عن صحّته واستقامته إلى مرضه وانحرافه، فلا يزال مريضًا معلولًا، لا ينتفع بالأغذية التي بها حياته وصلاحه. فإنّ تأثير الذنوب في القلوب كتأثير الأمراض في الأبدان، بل الذنوب أمراض القلوب وأدواؤها١، ولا دواء لها إلا تركها.

وقد أجمع السائرون إلى الله أنّ القلوب لا تعطَى مُناها حتّى تصل إلى مولاها٢، ولا تصل إلى مولاها حتى تكون صحيحة سليمة، ولا تكون صحيحة سليمة حتى ينقلب داؤها فيصير نفس دوائها. ولا يصحّ لها٣ ذلك إلا بمخالفة هواها، فهواها٤ مرضها، وشفاؤها مخالفته، فإن استحكم المرضُ قتَلَ أو كاد.

وكما أنّ من نهى نفسه عن الهوى كانت الجنّة مأواه، فكذا يكون قلبه في هذه الدار في جنة عاجلة لا يشبه نعيمَ أهلها نعيمٌ البتة، بل التفاوت الذي بين النعيمين كالتفاوت الذي بين نعيم الدنيا والآخرة. وهذا أمر لا يصدّق به إلا من باشر قلبه هذا وهذا.

ولا تحسبْ أنّ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ١٣ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ١٤﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤]، مقصور على نعيم الآخرة وجحيمها فقط، بل في دورهم الثلاثة هم كذلك، أعني: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار

  1. (١) س، ز: "داؤها". ل: "دواها"، وهو تحريف ما أثبتنا من ف.
  2. (٢) "وقد أجمع … مولاها" ساقط من س.
  3. (٣) "لها" ساقط من س. وفي ل: "لا يصلح لها".
  4. (٤) س، ل: "وهواها".
184

القرار، فهؤلاء في نعيم، وهؤلاء في جحيم. وهل النعيم إلا نعيم القلب؟ وهل العذاب إلا عذاب القلب؟

وأيّ عذاب أشدّ من الخوف، والهمّ، والحزن، وضيق الصدر، وإعراضه عن الله والدار الآخرة، وتعلّقه بغير الله، وانقطاعه عن الله، بكلِّ وادٍ منه شعبة؟ وكلّ شيء١ تعلّق به وأحبّه من دون الله فإنّه يسومه سوءَ العذاب.

فكلّ من أحبّ شيئًا٢ غيرَ الله عُذِّبَ به٣ ثلاث مرّات في هذه الدار: فهو يعذَّب به قبل حصوله حتى يحصل. فإذا حصل عُذِّبَ به حالَ حصوله بالخوف من سلبه وفواته، والتنغيص والتنكيد عليه، وأنواع المعارضات. فإذا سُلِبَه اشتدّ عذابُه عليه٤. فهذه ثلاثة أنواع من العذاب في هذه الدار.

وأما في البرزخ، فعذابٌ يقارنه ألمُ الفراق الذي لا يرجو٥ عودَه، وألمُ فَواتِ ما فاته من النعيم العظيم باشتغاله بضدّه، وألمُ الحجاب عن الله، وألمُ الحسرة التي تقطع الأكباد. فالهم والغم والحسرة والحَزن تعمل في نفوسهم نظيرَ ما تعمل الهوامّ والديدان في أبدانهم، بل عملها في النفوس دائم مستمرّ حتى يردّها الله إلى أجسادها، فحينئذ ينتقل العذاب إلى نوع هو أدهى وأمرّ.

  1. (١) ف: "وكل من".
  2. (٢) ف: "فكل شيء" بإسقاط "من أحب"، وهو خطأ.
  3. (٣) "فإنه يسومه … عذب به" ساقط من ز.
  4. (٤) ف: "عليه عذابه".
  5. (٥) ل: "لا يُرجى".
185

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي