ويقول الآخر: إنّ في الدنيا جَنّة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة١.
فيا من باع حظّه الغالي بأبخس الثمن، وغُبِنَ كل الغَبْن في هذا العقد، وهو يرى أنه قد غبن، إذا لم يكن لك خبرةٌ بقيمة السِّلَع فَسَلِ، المقوِّمين!
فيا عجبًا من بضاعةٍ معك، الله مشتريها، وثمنُها جنّةُ المأوى، والسفيرُ الذي جرى على يده٢ عقدُ التبايع وضمِنَ الثمنَ عن المشتري هو الرسول، وقد بعتَها بغاية الهوان!
إذا كان هذا فعلَ عبدٍ بنفسهفمَنْ ذاله من بعد ذلك يكرِمُ٣
ومن عقوباتها: أنّها تُعمي بصيرَة القلب٤، وتطمس نوره، وتسدّ طرق العلم٥، وتحجب موادّ الهداية.
= ابن عساكر في تاريخه (٦/ ٣٠٣، ٣٦٦). (ز).
(١) نسبه المصنف في المدارج (١/ ٥٣٦). والوابل الصيب (١٠٩) إلى شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀، وقد سمع ذلك منه.
(٢) ف: "يديه".
(٣) ف: "مكرم". وبعده في ز: "يقول الله تعالى".
(٤) س: "بصر القلب".
(٥) ز: "طريق العلم".
وقد قال مالك للشافعي١ لمّا اجتمع به ورأى تلك المخايل٢: إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورًا، فلا تطفئه بظلمة المعصية٣.
ولا يزال هذا النور يضعف ويضمحلّ، وظلام المعصية يقوى، حتى يصير القلب في مثل الليل البهيم. فكم من مَهْلكٍ يسقط فيه، وهو لا يبصره٤، كأعمى خرج بالليل في طريق ذات مهالك ومعاطب. فيا عزّةَ السلامة، ويا سرعةَ العطب!
ثم تقوى تلك الظلمات، وتفيض من القلب إلى الجوارح، فيغشى الوجهَ منها سوادٌ٥ بحسب قوتها وتزايدها. فإذا كان عند الموت ظهرت في البرزخ، فامتلأ القبر ظلمةً، كما قال النبي ﷺ: "إنّ هذه القبور ممتلئة على أهلها ظلمةً وإنّ الله منوّرها بصلاتي عليهم"٦.
فإذا كان يومُ المعاد وحشرِ الأجساد علت الوجوهَ علوًّا ظاهرًا يراه كلُّ أحد، حتّى يصير الوجه أسود مثل الحُمَمة. فيا لها عقوبةً٧ لا توازن لذاتِ الدنيا بأجمعها من أولها إلى آخرها! فكيف بقسط العبد المنغَّص المنكَّد المتعَب في زمن إنّما هو ساعة من حُلْم! فالله المستعان.
(١) س: "رحمة الله عليهما".
(٢) ف: "المحافل"، تحريف. وفيها بعد ذلك: "إني أرى على قلبك نورًا".
(٣) سبق في ص (١٣٣).
(٤) س: "لا يبصر".
(٥) ز: "فتغشى الوجوه منها سوادًا".
(٦) من حديث أبي هريرة ﵁. أخرجه مسلم في الجنائز، باب الصلاة على القبر (٩٥٦).