وكما أنّ الشاة التي لا حافظ لها وهي بين الذئاب سريعةُ العطب، فكذا العبد إذا لم يكن عليه حافظ من الله١، فذئبُه مفترِسُه، ولابدّ.
وإنما يكون عليه حافظ من الله٢ بالتقوى، فهي وقاية وجُنّة حصينة بينه وبيّن ذئبه، كما هي وقاية بينه وبيّن عقوبة الدنيا والآخرة. وكلّما كانت الشاة أقرب من الراعي كانت أسلم من الذئب، وكلّما بعدت عن الراعي كانت أقرب إلى الهلاك. فأحمى ما تكون الشاة إذا قربت من الراعي، وإنما يأخذ الذئب القاصي٣ من الغنم، وهي أبعدهن من الراعي٤.
وأصل هذا كلّه أنّ القلب كلّما كان أبعد من الله كانت الآفات إليه٥ أسرع، وكلّما قرُب من الله بعدت عنه الآفات.
والبعد من الله مراتب بعضها أشدّ من بعض. فالغفلة تبعد العبد٦
= وغيره، ولا يصح. ولأصل معناه شواهد. منها عن أبي الدرداء مرفوعًا: "ما من ثلاثة نفر في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية" أخرجه أحمد (٢١٧١٠) وابن خزيمة (١٤٨٦) وابن حبان (٢١٠١) وغيرهم. وسنده لا بأس به. والحديث صححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم. انظر تحقيق المسند (٣٦/ ٤٢).
(١) ف: "لم يكن عليه من الله وقاية وجنّة".
(٢) "فذئبه … من الله" ساقط من ز.
(٣) ف: "القاصية".
(٤) س، ف: "أبعد من الراعي".
(٥) "إليه" ساقط من ز.
(٦) ف: "القلب".
عن الله، وبعدُ المعصية أعظم١ من بعد الغفلة، وبعد البدعة أعظم من بعد المعصية، وبعد النفاق والشرك أعظم من ذلك كله.
فصل
ومن عقوباتها: سقوط الجاه والمنزلة والكرامة عند الله وعند خلقه.
فإنّ أكرم الخلق عند الله أتقاهم، وأقربهم منه منزلةً أطوعهم له، وعلى قدر طاعة العبد له تكون منزلته عنده. فإذا عصاه وخالف أمره سقط من عينه، فأسقطه من قلوب عباده. وإذا لم يبق له جاه عند الخلق وهان عليهم عاملوه على حسب ذلك، فعاش بينهم أسوأ عيش خاملَ الذكر، ساقط القدر، زريَّ الحال٢، لا حرمة له، فلا فرح٣ له ولا سرور. فإنّ خمول الذكر وسقوط القدر والجاه٤ معه كلُّ غمّ وهمّ٥ وحزن، ولا سرور معه٦ ولا فرح. وأين هذا الألم من لذة المعصية، لولا سكر الشهوة؟
ومن أعظم نعم الله على العبد أن يرفع له بين العالمين ذكرَه ويعلي قدرَه. ولهذا خصّ أنبياءه ورسله من ذلك بما ليس لغيرهم، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ ٤٥ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ٤٦﴾[ص: ٤٥ - ٤٦]. أي خصصناهم