الداء والدواء

بخصيصة، وهو الذكر الجميل الذي يُذكَرون به في هذه الدار١، وهو لسان الصدق الذي سأله إبراهيم الخليل حيث قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ٨٤﴾ [الشعراء: ٨٤]. وقال سبحانه عنه وعن بنيه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ٥٠﴾ [مريم: ٥٠]. وقال لنبيه ﷺ: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ٤﴾ [الشرح: ٤].

فأتباع الرسل لهم نصيب من ذلك بحسب ميراثهم من طاعتهم ومتابعتهم. وكلّ من خالفهم فاته من ذلك بحسب مخالفتهم ومعصيتهم.

فصل

ومن عقوباتها: أنّها تسلب صاحبها أسماء المدح والشرف، وتكسوه أسماء الذمّ والصَّغار. فتسلبه اسم المؤمن، والبَرّ، والمحسن، والمتقي، والمطيع، والمنيب، والولي، والوَرِع، والمصلح، والعابد،

والخائف، والأوّاب، والطيّب، والمرضي٢، ونحوها.

  1. (١) فسّر المؤلف هذه الآية في طريق الهجرتين (١٠٢)، فقال: "يخبر فيها سبحانه عما أخلص له أنبياءه ورسله من اختصاصهم بالآخرة، وفيها قولان: أحدهما أن المعنى: نزعنا من قلوبهم حبّ الدنيا وذكرها وإيثارها والعمل بها. والقول الثاني: إنّا أخلصناهم بأفضل ما في الدار الآخرة، واختصصناهم به عن العالمين". وفسر شيخ الإِسلام "ذكرى الدار" بتذكرة ما وعدوا به من الثواب والعقاب (مجموع الفتاوى ١٦/ ١٩٣) وهو قول ثالث يدخل في القول الأول كما قال الطبري (التفسير ٢٠/ ١١٩). أما ما ذهب إليه المؤلف هنا فلم يشر إليه الطبري فيما نقله عن السلف. وانظره في المحرر الوجيز (٤/ ٥٠٩)، والكشاف (٤/ ٩٩).
  2. (٢) ز: "الرضي"، وفي س: "المرضا".
193

وتكسوه اسم الفاجر، والعاصي، والمخالف، والمسيء، والمفسد، والخبيث، والمسخوط، والزاني، والسارق، والقاتل، والكاذب، والخائن، واللوطي، والغادر، وقاطع الرحم١، وأمثالها.

فهذه أسماء الفسوق و﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١١] التي توجب٢ غضب الديّان، ودخول النيران، وعيش الخزي والهوان. وتلك أسماء توجب رضي الرحمن، ودخول الجِنان، وتوجب شرف المسمَّى بها على سائر نوع الإنسان.

فلو لم يكن في عقوبة المعصية إلا استحقاق تلك الأسماء وموجَباتها لكان في العقل ناهٍ عنها. ولو لم يكن في ثواب الطاعة إلا الفوز بتلك الأسماء وموجَباتها لكان في العقل آمِرٌ بها. ولكن لا مانع لما أعطى الله٣، ولا معطي لما منع، ولا مقرّب لمن باعد، ولا مبعّد لمن قرّب ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ١٨﴾ [الحج: ١٨]

فصل

ومن عقوباتها: أنها تؤثّر بالخاصّية في نقصان العقل. فلا تجد عاقلَين أحدهما مطيع لله، والآخر عاص، إلا وعقل المطيع منهما أوفر وأكمل، وفكره أصحّ، ورأيه أسدّ، والصواب قرينه.

ولهذا تجد خطاب القرآن إنما هو مع أولي العقول والألباب،

  1. (١) ف، ز: "قاطع الرحم والغادر".
  2. (٢) ف، ز: الذي يوجب" يعني: الفسوق.
  3. (٣) لفظ الجلالة انفردت به س.
194

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي