واتصلت به أسباب الشرّ. فأيّ فلاح وأيّ رجاء وأيّ عيش لمن انقطعت عنه أسباب الخير، وقطع ما بينه١ وبيّن وليّه ومولاه الذي لا غنى له عنه طرفة عين، ولابدّ له منه٢، ولا عوض له عنه، واتصلت به أسباب الشر، ووصل ما بينه وبيّن أعدى عدوّ له، فتولّاه عدوّه، وتخلّى عنه وليّه؟ فلا تعلم نفس ما في هذا الانقطاع والاتصال من أنواع الآلام وأنواع العذاب!
قال بعض السلف: رأيتُ العبد مُلقًى بين الله سبحانه وبيّن الشيطان، فإن أعرض الله عنه٣ تولّاه الشيطان، وإن تولّاه الله لم يقدر عليه الشيطان٤.
(٤) أخرجه الإِمام أحمد في الزهد (١٣٥٣) عن مطرّف بن عبد الله بن الشِّخِّير، ولفظه: "وجدت هذا الإنسان ملقى بين الله ﷿ وبيّن الشيطان، فإن يعلم الله في قلبه خيرًا يجبذه إليه، وإن لا يعلم فيه خيرًا وكله إلى نفسه، ومن وكله إلى نفسه فقد هلك". وبهذا اللفظ نقله عنه المؤلف في المدارج (٣/ ٧٩). (ص) وسنده حسن. وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٢٩٨)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٠١) وابن عساكر في تاريخه (٥٨/ ٣٠٨) بنحوه، وسنده صحيح. وأخرجه ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان (٢٥) من طريق آخر عن مطرّف بنحوه (ز).
يقول سبحانه لعباده: أنا أكرمتُ١ أباكم، ورفعت قدره، وفضّلته على غيره، فأمرتُ ملائكتي كلّهم أن يسجدوا له تكريمًا٢ وتشريفًا، فأطاعوني، وأبى عدوّي وعدوّه، فعصى أمري، وخرج عن طاعتي. فكيف يحسن بكم بعد هذا أن تتخذوه٣ وذريته أولياء من دوني، فتطيعونه في معصيتي، وتوالونه في خلاف مرضاتي، وهم٤ أعدى عدو لكم؟ فواليتم عدوّي، وقد أمرتكم بمعاداته.
ومن والى أعداء الملِك كان هو وأعداؤه عنده سواء، فإنّ المحبة والطاعة لا تتمّ إلا بمعاداة أعداء المطاع وموالاة أوليائه. وأمّا أن توالي أعداءَ الملِك ثم تدّعي أنّك موالٍ له، فهذا محال. هذا لو لم يكن٥ عدوُّ الملك عدوًّا لكم، فكيف إذا كان عدوًّا لكم٦ على الحقيقة، والعداوةُ التي بينكم وبينه أعظمُ من العداوة التي بين الشاة والذئب؟ فكيف يليق بالعاقل أن يوالي عدوَّه وعدوَّ وليّه ومولاه الذي لا مولى له سواه؟
ونبّه سبحانه على قبح هذه الموالاة بقوله: ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾[الكهف: ٥٠]، كما نبّه على قبحها بقوله: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾[الكهف: ٥٠]. فتبيّن أنّ عداوته لربّه وعداوته لنا، كلٌّ منهما سببٌ يدعو إلى معاداته، فما هذه الموالاة؟ وما هذا الاستبدال؟ بئس للظالمين بدلا!