ويشبه أن يكون تحت هذا الخطاب نوعٌ من العتاب لطيفٌ عجيبٌ، وهو أنّي عاديتُ إبليس إذ لم يسجد لأبيكم آدم مع ملائكتي، فكانت١ معاداتُه لأجلكم، ثم كان عاقبة هذه المعاداة أن عقدتم بينكم وبينه عقد المصالحة!
فصل
ومن عقوباتها: أنها تمحق بركة العمر، وبركة الرزق، وبركة العلم، وبركة العمل، وبركة الطاعة. وبالجملة، تمحق بركة الدين والدنيا. فلا تجد أقلَّ بركةً في عمره ودينه ودنياه ممن عصى الله. وما مُحِقت البركة من الأرض إلا بمعاصي الخلق. قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾[الأعراف: ٩٦]. وقال تعالي: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ١٦﴾٢[الجن: ١٦] وإنّ العبد لَيُحرَمُ الرزقَ بالذنب يصيبه٣.
وفي الحديث: "إنّ روح القدس نفث في رُوعي أنّه٤ لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتّقوا الله وأجمِلوا في الطلب، فإنّه لا يُنال ما عند الله إلا بطاعته٥ "٦. و"إنّ الله جعل الرَّوْحَ والفرحَ في الرضا
(١) س: "وكانت".
(٢) انفردت س بزيادة "لنفتنهم فيه"، وهي جزء من الآية ١٧.
(٣) كما ورد في الحديث بهذا اللفظ، وقد سبق تخريجه في ص (١٠٣).
(٤) ز: "أن".
(٥) س: "بالطاعة" ز: "بمعصية إلا بطاعته".
(٦) أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث (٣/ ٢٨٣). ومن طريقه البغوي في شرح السنة (١٤/ رقم ٤١١١). والقضاعي في مسند الشهاب (١١٥١) من طريق زبيد اليامي عمن أخبره عن عبد الله بن مسعود فذكره. وقد وقع فيه اختلاف، =
واليقين، وجعل الهمّ والحزن في الشكّ والسخط"١.
وقد تقدم الأثر٢ الذي ذكره أحمد في كتاب الزهد: "أنا الله، إذا رضيتُ باركتُ، وليس لبركتي منتهى. وإذا غضبتُ لعنتُ، ولعنتي
= والطريق المثبت أصحها. انظر: علل الدارقطني (٥/ ٢٧٣) وشعب الإيمان (٩٨٩١). وعليه فالحديث ضعيف الإسناد للإبهام في قوله (عمن أخبره). وقد جاء من حديث حذيفة بنحوه من طريق قدامة عن أبيه زائدة بن قدامة عن عاصم عن زرّ بن حبيش عن حذيفة. أخرجه البزار في مسنده (٢٩١٤) قال الهيثمي في المجمع (٤/ ٧١): "وفيه قدامة بن زائدة بن قدامة ولم أجد من ترجمه". قلت: روى عن أبيه، وروى عنه ابنه وجماعة. انظر الثقات لابن حبان (٨/ ٢٥٨) ونوادر الأصول (٩٠ ق/أ). وورد معناه من حديث جابر، رواه الوليد بن مسلم وحجاج بن محمَّد وعبد المجيد بن أبي رواد ومحمد بن بكر، كلهم عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر رفعه: "يا أيها الناس إن أحدكم لن يموت حتى يستكمل رزقه، ولا تستبطئوا الرزق، واتقوا الله، وأجملوا في الطلب، وخذوا ما حلّ، وذروا ما حُرم". أخرجه ابن ماجه (٢١٤٤) والقضاعي في مسنده (١١٥٢) وابن الجارود (٥٥٦) والحاكم ٢/ ٥ (٢١٣٥) وغيرهم. ورواه عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن محمَّد بن المنكدر عن جابر فذكره. أخرجه ابن حبان (٣٢٣٩) والحاكم ٢/ ٤ - ٥ (٢١٣٤).
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في الرضا عن الله بقضائه (٩٤). ومن طريقه البيهقي في الشعب (٢٠٥) وابن عساكر في تاريخه (٣٣/ ٦٧٥)، من طريق أبي هارون المديني عن ابن مسعود، فذكره موقوفًا. ورجاله ثقات، لكن فيه انقطاع، أبو هارون لم يدرك ابن مسعود. وقد روي هذا مرفوعًا من حديث ابن مسعود وأبي سعيد الخدري، ولا يصح. راجع شعب الإيمان للبيهقي (٢٠٣، ٢٠٤).