وإنّما كانت معصيةُ الله سببًا لمحق بركة١ الرزق والأجل؛ لأنّ الشيطان موكَّل بها وبأصحابها، فسلطانُه عليهم، وحوالتُه على هذا الديوان، وأهلُه أصحابُه٢؛ وكل شيء يتصل به الشيطان ويقارنه٣، فبركته ممحوقة. ولهذا شُرع ذكرُ اسم الله تعالى عند الأكل والشرب واللبس والركوب والجماع، لما في مقارنة اسمِ الله من البركة. وذكرُ اسمه يطرد الشيطان، فتحصل البركة، ولا معارض لها.
وكلّ شيء لا يكون لله، فبركته منزوعة، فإنّ الربّ هو الذي تبارك٤ وحده، والبركة كلّها منه، وكلّ ما نُسِب إليه مبارك. فكلامه٥ مبارك، ورسوله مبارك، وعبده المؤمن النافع لخلقه مبارك، وبيته الحرام مبارك٦، وكنانته من أرضه -وهي الشام٧ - أرض البركة، وصفها بالبركة في ستّ آيات من كتابه٨. فلا
(١) "بركة" ساقط من ف.
(٢) يعني: وأهل هذا الديوان أصحاب الشيطان. وفي س، ف: "وأهله وأصحابه".
(٣) ز: "يقاربه".
(٤) ما عدا س: "يبارك"، وأثبتنا ما فيها لما يأتي: "فلا متبارك إلا هو وحده". وانظر بدائع الفوائد (٦٨٢).
(٥) س: "وكلامه".
(٦) "ورسوله … " إلى هنا ساقط من س.
(٧) ف: "أرض الشام". يشير إلى ما روي: "الشام كنانتي، فمن أرادها بسوء رميته بسهم منها". قال الألباني: "لا أصل له في المرفوع، ولعله من الإسرائيليات … " انظر السلسلة الضعيفة (١/ ٧٠).
(٨) وكذا قال في بدائع الفوائد (١٣٣٥): "وصف الشام بالبركة في ست آيات". ولكن قال فيه أيضًا (٦٨٢): "وما حول المسجد الأقصى مبارك، وأرض الشام وصفها بالبركة في أربعة مواضع من كتابه أو خمسة". وهذا هو الصواب. فهي =
متبارك١ إلا هو وحده، ولا مبارك إلا ما نسب إليه، أعني: إلى محبته وألوهيته ورضاه، وإلا فالكون كلّه منسوب إلى ربوبيته وخلقه. وكلّ ما باعده من نفسه من الأعيان والأقوال والأعمال فلا بركة فيه ولا خير فيه، وكلّ ما كان قريبًا منه٢ من ذلك ففيه من البركة على حسب قربه منه.
وضد البركة اللعنة. فأرضٌ لعنها الله، أو شخصٌ لعنه٣ أو عملٌ لعنه = أبعدُ شيء من الخير والبركة. وكلُّ ما اتصل بذلك، وارتبط به، وكان منه بسبيل، فلا بركة فيه البتة. وقد لعن عدوَّه إبليسَ، وجعله أبعدَ خلقه منه، فكلُّ ما كان من جهته فله من لعنة الله بقدر قربه منه واتصاله به.
فمن ههنا كان للمعاصي أعظم تأثير في محق بركة العمر والرزق٤ والعلم والعمل. فكلُّ وقتٍ٥ عصيتَ الله فيه، أو مالٍ عُصِيَ اللهُ به، أو بدنٍ، أو جاهٍ، أو علمٍ، أو عملٍ، فهو على صاحبه، ليس له. فليس عمرُه وماله وقوته وجاهه وعلمه وعمله إلا ما أطاع اللهَ به.
ولهذا من الناس من يعيش في هذه الدار مائة سنة أو نحوها، ويكون عمره لا يبلغ عشر سنين أو نحوها؛ كما أنّ منهم من يملك القناطير
= أربعة مواضع: الأعراف (١٣٧)، والأنبياء (٧١، ٨١)، وسبأ (١٨). فإذا أضفنا إليها آية الإسراء كانت خمسة.
(١) ل: "مبارك".
(٢) "منه" ساقط من ف.
(٣) ل: "لعنه الله"، وهكذا بعده: "أو عمل لعنه الله".