متبارك١ إلا هو وحده، ولا مبارك إلا ما نسب إليه، أعني: إلى محبته وألوهيته ورضاه، وإلا فالكون كلّه منسوب إلى ربوبيته وخلقه. وكلّ ما باعده من نفسه من الأعيان والأقوال والأعمال فلا بركة فيه ولا خير فيه، وكلّ ما كان قريبًا منه٢ من ذلك ففيه من البركة على حسب قربه منه.
وضد البركة اللعنة. فأرضٌ لعنها الله، أو شخصٌ لعنه٣ أو عملٌ لعنه = أبعدُ شيء من الخير والبركة. وكلُّ ما اتصل بذلك، وارتبط به، وكان منه بسبيل، فلا بركة فيه البتة. وقد لعن عدوَّه إبليسَ، وجعله أبعدَ خلقه منه، فكلُّ ما كان من جهته فله من لعنة الله بقدر قربه منه واتصاله به.
فمن ههنا كان للمعاصي أعظم تأثير في محق بركة العمر والرزق٤ والعلم والعمل. فكلُّ وقتٍ٥ عصيتَ الله فيه، أو مالٍ عُصِيَ اللهُ به، أو بدنٍ، أو جاهٍ، أو علمٍ، أو عملٍ، فهو على صاحبه، ليس له. فليس عمرُه وماله وقوته وجاهه وعلمه وعمله إلا ما أطاع اللهَ به.
ولهذا من الناس من يعيش في هذه الدار مائة سنة أو نحوها، ويكون عمره لا يبلغ عشر سنين أو نحوها؛ كما أنّ منهم من يملك القناطير
= أربعة مواضع: الأعراف (١٣٧)، والأنبياء (٧١، ٨١)، وسبأ (١٨). فإذا أضفنا إليها آية الإسراء كانت خمسة.
(١) ل: "مبارك".
(٢) "منه" ساقط من ف.
(٣) ل: "لعنه الله"، وهكذا بعده: "أو عمل لعنه الله".
(٤) ف: "الرزق والعمر".
(٥) ف: "وكل وقت".
المقنطرة من الذهب والفضة، ويكون ماله في الحقيقة لا يبلغ ألف درهم أو نحوها. وهكذا الجاه والعلم.
وفي الترمذي١ عنه ﷺ: "الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكرُ الله ﷿ وما والاه، وعالم أو متعلّم".
وفي أثر آخر: "الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ما كان لله"٢.
فهذا هو الذي فيه البركة خاصة. والله المستعان٣.
(١) برقم (٢٣٢٢). وأخرجه ابن ماجه (٤١١٢) والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٣٢٦) والبيهقي في الشعب (١٧٠٨) وغيرهم، من طريق عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن عطاء بن فرة عن عبد الله بن ضمرة السلولي عن أبي هريرة مرفوعًا. قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب". ورواه يحيى بن اليمان عن ابن ثوبان عن أبيه عن عبد الله بن ضمرة عن كعب قوله. أخرجه الدارمي (٣٣١) وغيره. قال الدارقطني: وهو وهم. وقد اضطرب فيه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان على أوجه، وعدّ العقيلي هذا الحديث وغيره من منكراته، ثم قال: "ولا يتابعه إلا من هو دونه أو مثله". راجع علل الدارقطني (٥/ ٨٩) و(١١/ ٤٤ - ٤٥).
(٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣/ ١٥٧) والخليلي في الإرشاد (٢/ ٧١١) والرافعي في أخبار قزوين (٢/ ٢٧٤) و(٣/ ١٤١) و(٤/ ١٣٥) وغيرهم، من طريق عبد الله بن الجراح القهستاني عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي عن الثوري عن ابن المنكدر عن جابر مرفوعًا. ورواه يحيى القطان عن الثوري عن محمَّد بن المنكدر عن النبي ﷺ مرسلًا. أخرجه أحمد في الزهد (١٥٤) وأبو داود في المراسيل (٥٥٢). وهذا هو الصواب أنه مرسل كما رجّح ذلك أبو حاتم الرازي والدارقطني وابن الجوزي.