الداء والدواء

فصل

ومن عقوباتها: أنها تجعل صاحبَها من السِّفْلة بعد أن كان مُهَيًّأ لأن يكون من العِلْية. فإنّ الله خلق خلقَه قسمين: عِلية وسِفلة، وجعل علّيين مستقرّ العلية، وأسفل سافلين مستقرّ السفلة. وجعل أهل طاعته الأعلَين في الدنيا والآخرة، وأهل معصيته الأسفلِين في الدنيا والآخرة١، كما جعل أهل طاعته أكرمَ خلقه عليه، وأهلَ معصيته أهونَ خلقه عليه٢، وجعل العزّة لهؤلاء٣، والذلّة والصغار لهؤلاء. كما في مسند أحمد من حديث عبد الله بن عمر٤ عن النبي ﷺأنه قال: "جُعل الذلّة والصَّغار على من خالف أمري".

فكلّما٥ عمل العبد معصيةً نزل إلى أسفل درجة، ولا يزال في نزول حتى يكون من الأسفلين. وكلّما عمل طاعة٦ ارتفع بها درجة، ولا يزال في ارتفاع حتى يكون من الأعلَين. وقد يجتمع للعبد في أيام حياته الصعود من وجه، والنزول من وجه، وأيّهما كان أغلب عليه كان من أهله. فليس من صعد مائة درجة ونزل درجة واحدة كمن كان بالعكس.

  1. (١) "وأهل معصيته … الآخرة" ساقط من ل.
  2. (٢) "عليط ساقط من ف. وفي ز: "عليهم"، خطأ.
  3. (٣) ف: "لهؤلاء العزة".
  4. (٤) في جميع النسخ: "عبد الله بن عمرو"، وقد تقدم على الصواب -كما أثبتنا- في ص (١٤٣).
  5. (٥) س: "وكلما".
  6. (٦) ف: "بطاعة".
205

ولكن يعرض ها هنا للنفوس غلط عظيم، وهو أنّ العبد قد ينزل نزولًا بعيدًا أبعدَ مما١ بين المشرق والمغرب ومما٢ بين السماء والأرض، فلا يفي صعودُه ألفَ درجة بهذا النزول الواحد، كما في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "إنّ العبد لَيتكلّم بالكلمة الواحدة، لا يلقي لها بالًا، يهوي بها في النار أبعدَ مما بين المشرق والمغرب"٣. فأيُّ صعود يوازي٤ هذه النزلة؟.

والنزول أمر لازم للإنسان، ولكن من الناس من يكون نزوله إلى غفلة، فهذا متى٥ استيقظ من غفلته عاد إلى درجته، أو إلى أرفع منها بحسب يقظته.

ومنهم من يكون نزوله إلى مباح لا ينوي به الاستعانة٦ على الطاعة. فهذا متى رجع إلى الطاعة٧ فقد يعود إلى درجته، وقد لا يصل إليها، وقد يرتفع عنها. فإنه قد يعود أعلى همةً مما كان٨، وقد يكون أضعف همةً، وقد تعود همته كما كانت.

  1. (١) ز: "أبعدما".
  2. (٢) ف، ز: "وما".
  3. (٣) من حديث أبي هريرة ﵁. أخرجه البخاري في الرقاق، باب حفظ اللسان (٦٤٧٧)؛ ومسلم في الزهد، باب حفظ اللسان (٢٩٨٨).
  4. (٤) ف، س: "يوازن".
  5. (٥) س: "هذا متى". ز:"فهذا إذا".
  6. (٦) ف: "إلا الاستعانة".
  7. (٧) "فهذا … الطاعة" ساقط من ف.
  8. (٨) ف: "يعود على همة أقوى مما كان".
206

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي