فأيّ نعمةٍ وصلت من الله إليه استكثرها على نفسه، ورأى نفسه دونها، ولم يرها أهلًا لها. وأي نقمة أو بليّة وصلت إليه رأى نفسه أهلًا لما هو أكبر٢ منها، ورأى مولاه قد أحسن إليه، إذ لم يعاقبه على قدر جُرمه ولا شطرِه ولا أدنى جزء منه. فإنّ ما يستحقّه من العقوبة لا تحمله الجبال الراسيات، فضلًا عن هذا العبد الضعيف العاجز.
فإنّ الذنب وإن صغر، فإنّ مقابلةَ العظيم الذي لا شيء أعظم منه، الكبير الذي لا شيء أكبر منه، الكريم الذي لا أجلَّ منه ولا أجملَ، المنعِمِ بجميع أصناف النعم دقيقِها وجليلِها = من أقبح الأمور وأفظعها وأشنعها. فإنّ مقابلةَ العظماء والأجلّاء وسادات الناس بمثل ذلك٣ يستقبحه كلُّ أحد مؤمن وكافر. وأرذلُ الناس وأسقطُهم مروءةً مَن قابلَهم بالرذائل، فكيف بعظيم السموات والأرض، وملِك السموات والأرض، وإلهِ أهل السموات والأرض٤؟
ولولا أنّ رحمتَه غلبت غضبَه، ومغفرتَه سبقت عقوبتَه، وألّا٥
(١) من قصيدة منسوبة إلى الأعشى في ديوانه (٢٨٣). والرواية المشهورة: "بالوفاء وبالعدل". وقد أنشده المؤلف في أكثر من موضع. انظر طريق الهجرتين (١١) وشفاء العليل (١٣٢) والمدارج (١/ ١٩٥).
(٢) ل، ز: "أكثر".
(٣) "وأشنعها … بمثل" ساقط من ف. وفيها: "وذلك".
(٤) "وملك السموات … " إلى هنا ساقط من ف.
(٥) "وإلّا" وقعت هنا في غير موقعها، ولا يستقيم المعنى إلا بحذفها. وقد تكرّر استعمال "وإلّا" على هذا الوجه في كلام المؤلف وشيخه، ولعله كان أسلوبًا دارجًا في زمنهما. انظر مثلًا طريق الهجرتين (٤٤)، وشفاء العليل (١١٩) =
لتدكدكت الأرض بمن قابَلَه بما لا تليق مقابلتُه به. ولولا حلمه ومغفرته١ لزالت٢ السموات والأرض من معاصي العباد. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ٤١﴾[فاطر: ٤١].
فتأمّلْ ختمَ هذه الآية باسمين من أسمائه، وهما: الحليم الغفور٣، كيف تجد تحت ذلك أنّه لولا حلمُه عن الجناة ومغفرته للعصاة لما استقرّت السموات والأرض.
وقد أخبر سبحانه عن بعض كفر عباده أنه: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ٩٠﴾[مريم: ٩٠].
وقد أخرج الله سبحانه الأبوين٤ من الجنّة بذنب واحد ارتكباه، وخالفا فيه نهيه٥. ولعَن إبليسَ، وطرده، وأخرجه من ملكوت السماء٦ بذنب٧ ارتكبه، وخالف فيه٨ أمرَه. ونحن -معاشرَ الحمقى- كما قيل: