الداء والدواء
نصِلُ الذنوبَ إلى الذنوب ونرتجيدَرَكَ الجِنانِ لدى النعيمِ الخالدِ١
ولقد علمنا أخرَجَ الأبوَينِ منملكوتها الأعلى بذنب واحد٢

والمقصود أن العبد قد يكون بعد التوبة خيرًا مما كان قبل الخطيئة وأرفع درجةً. وقد تُضعِف الخطيئةُ همّتَه، وتُوهن عزمَه، وتُمرض قلبَه، فلا يقوى دواء التوبة على إعادته إلى الصحة الأولى، فلا يعود إلى

درجته. وقد يزول المرض بحيث تعود الصحة كما كانت، ويعود إلى مثل عمله، فيعود إلى درجته.

هذا كلّه٣ إذا كان نزوله إلى معصية. فإن٤ كان نزوله إلى أمر

  1. (١) الدرَك: اللّحاق، وهو اسم من الإدراك (المصباح المنير). وقد غيرها بعضهم في ف إلى "درج" لتوهمه أنها مفرد الأدْراك، وهي منازل في النار. والدرك إلى أسفل، والدرج إلى فوق. (النهاية ٢/ ١١٤).
  2. (٢) في ف، ل: "ولقد علمنا أنه قد أخرج … "، وهو مخلّ بالوزن. وكذا كان في ز، فطمس بعضهم: "أنه قد". وفي س تحريف وتغيير، وفي حاشيتها: "ظ ولقد علمنا أخرج"، وهو الصواب. والبيتان لمحمود الورّاق في عيون الأخبار (٢/ ٣٧٤)، والكامل (٥١٤)، والعقد (٣/ ١٧٩) وغيرها. وفيها جميعًا: "تصل وترتجي". وعجز البيت الأول: "درك الجنان بها وفوز العابد". وفي بهجة المجالس (٢/ ٣٢٨): "فوز الجنان وقيل أجر العابد".
    أما "لدى النعيم الخالد" الذي ورد هنا، فهو جزء من بيت آخر لأبي إسحاق الصابئ في يتيمة الدهر (٢/ ٢٥٩) وقد أنشده المؤلف في طريق الهجرتين (٢٩٨). أما البيت الثاني فروايته في المصادر كلها:
    ونسيتَ أنّ الله أخرج آدمًا … منها إلى الدنيا بذنب واحدٍ
    انظر ديوانه المجموع (٧٨).
  3. (٣) "كله" ساقط من ز.
  4. (٤) ز: "فإذا".
211

يقدح في أصل إيمانه مثل الشكوك والريب والنفاق، فذاك نزول لا يُرجى لصاحبه صعودٌ إلا بتجديد إسلامه من رأسٍ١.

فصل

ومن عقوباتها: أنّها تُجرّئ على العبد من لم يكن يجترئ عليه من أصناف المخلوقات. فيجترئ عليه الشياطين بالأذى٢، والإغواء، والوسوسة، والتخويف، والتحزين، وإنسائه ما مصلحتُه في ذكره،

ومضرّتُه في نسيانه؛ فتجترئ٣ عليه الشياطين حتّى تؤزه إلى معصية الله أزًا.

ويجترئ عليه شياطين الإنس بما تقدر عليه من أذاه في غيبته وحضوره. ويجترئ عليه أهله وخدمه وأولاده٤ وجيرانه، حتّى الحيوان البهيم! قال بعض السلف: إنّي لأعصي الله، فأعرف ذلك في خلق امرأتي ودابّتي٥. وكذلك يجترئ عليه أولياء الأمر بالعقوبة التي إن عدلوا فيها أقاموا عليه حدود الله٦. وكذلك تجترئ عليه نفسُه، فتتأسد عليه، وتستصعب عليه٧، فلو أرادها لخير لم تطاوعه، ولم تنقَدْ له. وتسوقه إلى ما فيه هلاكه، شاء أم أبى.

  1. (١) س: "من الرأس".
  2. (٢) س: "بالإيذاء".
  3. (٣) س: "ويجترئ". ف: "فنجرّى".
  4. (٤) "أولاده" ساقط من ف.
  5. (٥) من كلام الفضيل بن عياض، وقد سبق في ص (١٣٤).
  6. (٦) س: "عليه الحدود"، وفي حاشيتها: "خ حدود الله تعالى".
  7. (٧) ل: "فتتأسد عليه العبادة" كذا!
212

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي