وذلك لأنّ١ الطاعة حصنُ الربّ ﵎ الذي من دخله كان من الآمنين، فإذا فارق الحصن اجترأ عليه قُطّاعُ الطريق وغيرهم، وعلى حسب اجترائه على معاصي الله يكون اجتراءُ هذه الآفات والنفوس عليه.
وليس له٢ شيء يردّ عنه، فإنّ ذكر الله، وطاعتَه، والصدقةَ، وإرشادَ الجاهل، والأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر= وقايةٌ تردّ عن العبد، بمنزلة القوة التي تردّ المرض وتقاومه، فإذا سقطت القوة غلب واردُ المرض، فكان٣ الهلاك.
فلابدّ للعبد من شيء يردّ عنه، فإنّ موجب السيئات والحسنات يتدافع٤، ويكون الحكم للغالب كما تقدّم. وكلّما قوي جانبُ الحسنات كان الردّ أقوى، فإنّ الله يدافع٥ عن الذين آمنوا، والإيمان قول وعمل، فبحسب قوة الإيمان يكون الدفعُ. والله المستعان.
فصل
ومن عقوباتها: أنّها تخون العبدَ أحوجَ ما يكون إلى نفسه. فإن كلّ أحد محتاج٦ إلى معرفة٧ ما ينفعه وما يضرّه في معاشه ومعاده، وأعلمُ الناس أعرَفهم٨ بذلك على التفصيل، وأقواهم وأكْيَسُهم من قوي على
(١) ف: "وذلك كما أن".
(٢) لم يرد "له" في س.
(٣) س: "وكان".
(٤) ز: "تتدافع".
(٥) ف: "يدفع".
(٦) ف: "يحتاج".
(٧) س: "معرفته".
(٨) ل: "وأعرفهم".
نفسه وإرادته١، فاستعملها٢ فيما ينفعه، وكفّها عما يضرّه.
وفي ذلك تفاوتت٣ معارفُ الناس وهممُهم ومنازلُهم. فأعرفُهم من كان عارفًا بأسباب السعادة والشقاوة، وأرشَدُهم من آثر هذه على هذه، كما أن أسفَههم من عكسَ الأمَر.
والمعاصي تخون العبد أحوجَ ما كان إلى نفسه في تحصيل هذا العلم وإيثار الحظّ الأشرف العالي الدائم على الحظّ الخسيس الأدنى المنقطع، فتحجبه الذنوبُ عن كمال هذا العلم، وعن الاشتغال
بما هو أولى به وأنفع له في الدارين.
فإذا٤ وقع في مكروه، واحتاج إلى التخلّص منه، خانه قلبُه ونفسُه وجوارحُه، وكان بمنزلة رجل معه سيفٌ قد غشِيَه الجرَبُ٥، ولزم قِرابَه٦ بحيث لا ينجذب مع صاحبه إذا جذبه، فعرض له عدوّ يريد قتلَه، فوضع يده على قائم سيفه، واجتهد ليخرجه، فلم يخرج معه، فدهمه العدوّ، وظفر به.
(١) ل: "وإرادته لها".
(٢) ز: "واستعملها".
(٣) ف: "تفاوت".
(٤) ف: "وإذا".
(٥) الجرَب: الصدأ يركب السيف. (اللسان. جرب) عن ابن الأعرابي: سيف أجرب، إذا كثف الصدأ عليه حتى يحمرّ، فلا ينقلع عنه إلّاَ بالمسحل. (الأساس- جرب). والمسحل: المبرد. ولعل كلمة الجرب أشكلت، فاستبدلت بها في ط المدني وعبد الظاهر وغيرهما: "الصدأ"، كما حذفوا "ويجرب" الآتية بعد أسطر.