وأخبرني بعض التجّار عن قرابة له أنه احتضر، وهو عنده، فجعلوا يلقّنونه: لا إله إلا الله، وهو يقول: هذه القطعة رخيصة، هذه مشترى جيّد، هذه كذا، حتى قضى.
وسبحان الله١! كم شاهد الناس من هذا عبرًا! والذي يخفى عليهم من أحوال المحتضَرين أعظم وأعظم.
وإذا كان العبد في حال حضور ذهنه وقوته وكمال إدراكه قد تمكّن منه الشيطان، واستعمله فيما يريده من معاصي الله٢، وقد أغفل قلبه عن الله٣، وعطّل لسانَه عن ذكره، وجوارحَه عن طاعته، فكيف الظنّ به عند سقوط قواه، واشتغال قلبه ونفسه بما هو فيه من ألم النزع٤،
وجَمْع الشيطانِ له كلَّ قوته وهمّته، وحَشْدِه٥ عليه بجميع ما يقدر عليه، لينال منه فرصته، فإنّ ذلك آخر العمل، فأقوى ما يكون عليه شيطانُه ذلك الوقت، وأضعف ما يكون هو في تلك الحال٦؟ فمَن تُرى يَسلَمُ على ذلك؟
(٥) كذا في جميع النسخ. وفي غير طبعة: "وحشد عليه"، وفي بعضها: "وقد جمع الشيطان … وحشد عليه". ولعل ذلك تصرف من الناشرين لخطئهم في قراءة النص.
(٦) ف: "الحالة".
فكيف يوفَّق لحسن الخاتمة من أغفل اللهُ سبحانه قلبَه عن ذكره، واتّبَعَ هواه، وكان أمره فُرُطًا؟ فبعيدٌ من قلبٍ بعيدٍ من الله تعالى، غافلٍ عنه، متعبّدٍ١ لهواه، أسيرٍ لشهواته٢؛ ولسانٍ٣ يابسٍ من ذكره، وجوارحَ٤ معطّلةٍ من طاعته مشتغلةٍ بمعصيته = أن توفَّقَ٥ للخاتمة بالحسنى.
ولقد قطع خوفُ الخاتمة ظهورَ المتقين، وكأنّ المسيئين الظالمين قد أخذوا توقيعًا بالأمان!٦﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ ٣٩﴾[القلم: ٣٩].
يا آمنًا معْ قبيحِ الفعل منه أهَلْأتاك توقيعُ أمنٍ أنت تَملكُه٧
جمعتَ شيئَينِ أمنًا واتّباعَ هوىًهذا وإحداهما في المرء تُهلِكُه٨
والمحسنون على دَرْبِ المخاوفِ قدساروا وذلك دربٌ لستَ تَسلكُه
فرّطتَ في الزرع وقتَ البَذْر مِن سَفَهٍفكيف عند حصاد الناس تُدركُه
هذا وأعجبُ شيء منك زهدُك فيدار البقاء بعيشٍ سوف تَتركُه٩
(١) ف: "متبع".
(٢) ف: "لشهوته".
(٣) س: "ولسانه".
(٤) س: "وجوارحه".
(٥) ل، ز: "يوفق". ولم يضبط في س.
(٦) س، ل: "بالأيمان".
(٧) ل: "قبح الفعل".
(٨) ز: "أمن".
(٩) ل: "سوف تدركه". وفي البيت التالي فيها: "سوف تتركه".