الداء والدواء

فكيف يوفَّق لحسن الخاتمة من أغفل اللهُ سبحانه قلبَه عن ذكره، واتّبَعَ هواه، وكان أمره فُرُطًا؟ فبعيدٌ من قلبٍ بعيدٍ من الله تعالى، غافلٍ عنه، متعبّدٍ١ لهواه، أسيرٍ لشهواته٢؛ ولسانٍ٣ يابسٍ من ذكره، وجوارحَ٤ معطّلةٍ من طاعته مشتغلةٍ بمعصيته = أن توفَّقَ٥ للخاتمة بالحسنى.

ولقد قطع خوفُ الخاتمة ظهورَ المتقين، وكأنّ المسيئين الظالمين قد أخذوا توقيعًا بالأمان!٦ ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ ٣٩﴾ [القلم: ٣٩].

يا آمنًا معْ قبيحِ الفعل منه أهَلْأتاك توقيعُ أمنٍ أنت تَملكُه٧
جمعتَ شيئَينِ أمنًا واتّباعَ هوىًهذا وإحداهما في المرء تُهلِكُه٨
والمحسنون على دَرْبِ المخاوفِ قدساروا وذلك دربٌ لستَ تَسلكُه
فرّطتَ في الزرع وقتَ البَذْر مِن سَفَهٍفكيف عند حصاد الناس تُدركُه
هذا وأعجبُ شيء منك زهدُك فيدار البقاء بعيشٍ سوف تَتركُه٩
  1. (١) ف: "متبع".
  2. (٢) ف: "لشهوته".
  3. (٣) س: "ولسانه".
  4. (٤) س: "وجوارحه".
  5. (٥) ل، ز: "يوفق". ولم يضبط في س.
  6. (٦) س، ل: "بالأيمان".
  7. (٧) ل: "قبح الفعل".
  8. (٨) ز: "أمن".
  9. (٩) ل: "سوف تدركه". وفي البيت التالي فيها: "سوف تتركه".
219
مَنِ السفيهُ إذًا بالله أنت أم الْـمَغبونُ في البيع غَبْنًا سوف يُدركه١

فصل

ومن عقوباتها: أنّها تعمي القلب، فإن لم تُعْمِه أضعفَتْ بصيرتَه، ولابدَّ. وقد تقدم بيانُ أنها تضعفه، ولابدّ. فإذا عمي القلب وضعف فاته من معرفة الهدى، وقوته على تنفيذه في نفسه وفي غيره، بحسب ضعف بصيرته وقوته.

فإنّ الكمال الإنساني مداره على أصلين: معرفة الحق من الباطل، وإيثاره عليه. وما تفاوتت منازل الخلق عند الله في الدنيا والآخرة إلا بقدر تفاوت منازلهم في هذين الأمرين. وهما اللذان٢ أثنى الله سبحانه على أنبيائه بهما٣ في قوله: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ ٤٥﴾ [ص: ٤٥]. فالأيدي: القوى في تنفيذ الحقّ، والأبصار: البصائر في الدين. فوصفهم بكمال إدراك الحق، وكمال تنفيذه٤.

وانقسم الناس في هذا المقام أربعة أقسام: فهؤلاء أشرف أقسام الخلق وأكرمهم على الله.

القسم الثاني: عكس هؤلاء، لا بصيرة في الدين، ولا قوة على تنفيذ الحق. وهم أكثر هذا الخلق الذين رؤيتُهم قذى العيون، وحمّى

  1. (١) لعل الأبيات للمؤلف ﵀.
  2. (٢) ل: "الذين". ز: "وهم الذين"، خطأ.
  3. (٣) ل: "بهم"، خطأ.
  4. (٤) وانظر إعلام الموقعين (١/ ٨٩)، والفروسية (١٢٠)، ومجموع الفتاوى (٤/ ٩٣).
220

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي