الداء والدواء

بعضًا به، ويرشده إليه، ويحضّه عليه.

وإذا كان من عدا هؤلاء خاسرًا، فمعلوم أنّ المعاصي والذنوب تُعمي بصيرةَ القلب فلا يدرك الحقّ كما ينبغي، وتُضعِفُ قوتَه وعزيمتَه فلا يصبر عليه. بل قد تتوارد١ على القلب حتى ينعكس إدراكه، كما ينعكس سيرُه، فيدرك الباطلَ حقًّا، والحقَّ باطلًا، والمعروفَ منكرًا، والمنكرَ معروفًا. فينتكس في سيره، ويرجع عن سفره إلى الله والدار الآخرة، إلى سفره إلى٢ مستقرّ النفوس المُبْطِلَة التي رضيَتْ بالحياة الدنيا، واطمأنَّتْ بها، وغفلت عن الله وآياته، وتركت الاستعداد للقائه.

ولو لم يكن في عقوبة الذنوب إلا هذه العقوبة وحدها لكانت كافيةً داعيةً إلى تركها والبعد منها، والله المستعان.

وهذا كما أنّ الطاعة تُنوِّر القلب، وتجلوه٣ وتصقُله، وتقوّيه وتثبته، حتّى يصير كالمرآة المجلوّة في جلائها٤ وصفائها ويمتلئ٥ نورًا؛ فإذا دنا الشيطان منه أصابه من نوره ما يصيب مُسْتَرِقي السَّمْع٦ من الشهب الثواقب. فالشيطان يفرَق من هذا القلب أشدَّ من فرَقِ الذئب من الأسد، حتى إنّ صاحبه لَيصرَعُ الشيطان، فيخِرّ صريعًا، فيجتمع عليه الشياطين، فيقول بعضهم لبعض: ما شأنه؟ فيقال: أصابه إنسيّ، وبه

  1. (١) ما عدا ل: "يتوارد".
  2. (٢) "والدار الآخرة … إلى" ساقط من ل.
  3. (٣) "وتجلوه" ساقط من ل.
  4. (٤) ز: "كالمرآة المصقولة في صلابتها".
  5. (٥) ما عدا ف: "فيمتلئ".
  6. (٦) ف: "مسترق السمع". س: "من مسترقي السمع".
222

نظرة من الإنس!

فيا نظرة من قلبِ حُرٍّ منوَّرٍيكاد لها الشيطانُ بالنور يحرَقُ

أفيستوي هذا القلبُ، وقلبٌ مظلمة١ أرجاؤه، مختلفةٌ أهواؤه، قد اتخذه الشيطانُ وطنَه، وأعدَّه مسكنَه. إذا تصبّح بطلعته حيّاه، وقال: فديتُ مَن لا يفلح في دنياه ولا في أخراه٢!

قرينُك في الدنيا وفي الحشر بعدهافأنت قرينٌ لي بكلّ مكانِ
فإنْ كنتَ في دار الشقاء فإنّنيوأنت جميعًا في شقًا وهوان

قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ٣٦ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ٣٧ حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ ٣٨ وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ٣٩﴾ [الزخرف: ٣٦ - ٣٩].

فأخبر سبحانه أن من عشا عن ذكره -وهو كتابه الذي أنزله٣ على رسوله- فأعرض عنه، وعميَ عنه، وعشَتْ بصيرتُه عن فهمه وتدبّره ومعرفةِ مراد الله منه = قيّض الله له شيطانًا عقوبةً له بإعراضه عن كتابه.

فهو قرينه الذي لا يفارقه في الإقامة ولا في المسير، ومولاه وعشيره الذي هو بئس المولى وبئس العشير.

  1. (١) س، ل: "مظلم".
  2. (٢) عبارة المؤلف ناظرة إلى قول البحتري، وقد سبق في ص (١٧٠):
    وإذا رأى إبليس طلعة وجهه … حيّا وقال: فديتُ من لم يفلح
  3. (٣) ل: "أنزل".
223

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي