الداء والدواء

نظرة من الإنس!

فيا نظرة من قلبِ حُرٍّ منوَّرٍيكاد لها الشيطانُ بالنور يحرَقُ

أفيستوي هذا القلبُ، وقلبٌ مظلمة١ أرجاؤه، مختلفةٌ أهواؤه، قد اتخذه الشيطانُ وطنَه، وأعدَّه مسكنَه. إذا تصبّح بطلعته حيّاه، وقال: فديتُ مَن لا يفلح في دنياه ولا في أخراه٢!

قرينُك في الدنيا وفي الحشر بعدهافأنت قرينٌ لي بكلّ مكانِ
فإنْ كنتَ في دار الشقاء فإنّنيوأنت جميعًا في شقًا وهوان

قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ٣٦ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ٣٧ حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ ٣٨ وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ٣٩﴾ [الزخرف: ٣٦ - ٣٩].

فأخبر سبحانه أن من عشا عن ذكره -وهو كتابه الذي أنزله٣ على رسوله- فأعرض عنه، وعميَ عنه، وعشَتْ بصيرتُه عن فهمه وتدبّره ومعرفةِ مراد الله منه = قيّض الله له شيطانًا عقوبةً له بإعراضه عن كتابه.

فهو قرينه الذي لا يفارقه في الإقامة ولا في المسير، ومولاه وعشيره الذي هو بئس المولى وبئس العشير.

  1. (١) س، ل: "مظلم".
  2. (٢) عبارة المؤلف ناظرة إلى قول البحتري، وقد سبق في ص (١٧٠):
    وإذا رأى إبليس طلعة وجهه … حيّا وقال: فديتُ من لم يفلح
  3. (٣) ل: "أنزل".
223
رضيعَي لِبانٍ ثديَ أم تقاسمابأسحمَ داجٍ عوضُ لا نتفرَّقُ١

ثم أخبر سبحانه أن الشيطان يصدّ قرينه ووليّه عن سبيله الموصل إليه وإلى جنّته، ويحسب هذا الضالُّ المصدودُ أنّه على طريق هدىً، حتى إذا جاء القرينان يوم القيامة يقول أحدهما للآخر: يا ليت بيني وبينك بعدَ المشرقين، فبئس القرين كنتَ لي في الدنيا! أضللتَني عن الهدى بعد إذ جاءني، وصددتَني عن الحقّ، وأغويتَني حتّى هلكتُ، وبئس القرين أنت لي٢ اليوم! ولمّا كان المصابُ إذا شاركه غيرُه في مصيبته حصل بالتأسّي نوعُ تخفيفٍ وتسليةٍ = أخبر سبحانه أنّ هذا غير موجود وغير حاصل في حقّ المشتركين في العذاب، وأنّ القرين لا يجد راحةً ولا أدنى فرح٣ بعذاب قرينه معه، وإن كانت المصائب في الدنيا إذا عمَّتْ صارت مَسْلاةً كما قالت الخنساء في أخيها صخر:

فلولا كثرةُ الباكين حوليعلى إخوانهم لقتلتُ نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكنأعزّي النفسَ عنه بالتأسّي٤

فمنع الله سبحانه هذا القدرَ من الراحة عن أهل النار فقال: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ٣٩﴾ [الزخرف: ٣٩].

  1. (١) للأعشى في ديوانه (٢٧٥).
  2. (٢) "لي" ساقط من ف.
  3. (٣) س، ف: "فرج".
  4. (٤) ديوان الخنساء (٣٢٦) وقد زيد في بعض الطبعات بيت ثالث لم يرد في النسخ التي بين أيدينا.
224

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي