الداء والدواء
رضيعَي لِبانٍ ثديَ أم تقاسمابأسحمَ داجٍ عوضُ لا نتفرَّقُ١

ثم أخبر سبحانه أن الشيطان يصدّ قرينه ووليّه عن سبيله الموصل إليه وإلى جنّته، ويحسب هذا الضالُّ المصدودُ أنّه على طريق هدىً، حتى إذا جاء القرينان يوم القيامة يقول أحدهما للآخر: يا ليت بيني وبينك بعدَ المشرقين، فبئس القرين كنتَ لي في الدنيا! أضللتَني عن الهدى بعد إذ جاءني، وصددتَني عن الحقّ، وأغويتَني حتّى هلكتُ، وبئس القرين أنت لي٢ اليوم! ولمّا كان المصابُ إذا شاركه غيرُه في مصيبته حصل بالتأسّي نوعُ تخفيفٍ وتسليةٍ = أخبر سبحانه أنّ هذا غير موجود وغير حاصل في حقّ المشتركين في العذاب، وأنّ القرين لا يجد راحةً ولا أدنى فرح٣ بعذاب قرينه معه، وإن كانت المصائب في الدنيا إذا عمَّتْ صارت مَسْلاةً كما قالت الخنساء في أخيها صخر:

فلولا كثرةُ الباكين حوليعلى إخوانهم لقتلتُ نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكنأعزّي النفسَ عنه بالتأسّي٤

فمنع الله سبحانه هذا القدرَ من الراحة عن أهل النار فقال: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ٣٩﴾ [الزخرف: ٣٩].

  1. (١) للأعشى في ديوانه (٢٧٥).
  2. (٢) "لي" ساقط من ف.
  3. (٣) س، ف: "فرج".
  4. (٤) ديوان الخنساء (٣٢٦) وقد زيد في بعض الطبعات بيت ثالث لم يرد في النسخ التي بين أيدينا.
224

فصل

ومن عقوباتها: أنّها مددٌ من الإنسان يُمِدّ به عدوَّه عليه، وجيشٌ يقوّيه به١ على حربه.

وذلك أن الله سبحانه ابتلى هذا الإنسانَ بعدوّ لا يفارقه طرفةَ عين. ينام، ولا ينام عنه٢. ويغفل، ولا يغفل عنه. يراه هو وقبيلُه من حيث لا يراه. يبذل جهده في معاداته في كل حال، ولا يدع أمرًا يكيده به يقدر على إيصاله إليه إلا أوصله، ويستعين عليه ببني أبيه٣ من شياطين الجنّ وغيرهم من شياطين الإنس. قد نصب٤ له الحبائل، وبغاه الغوائل، ومدّ حوله الأشراك، ونصب له الفِخاخ والشِّباك، وقال لأعوانه: دونكم عدوَّكم وعدوَّ أبيكم، لا يفوتنّكم، ولا يكنْ حظُّه الجنةَ وحظُّكم النارَ، ونصيبُه الرحمة ونصيبُكم اللعنة! وقد علمتم أنّ ما جرى٥ عليّ وعليكم من الخزي واللعن والإبعاد من رحمة الله فبسببه ومن أجله. فابذلوا جهدكم أن يكونوا شركاءنا٦ في هذه البلية، إذ قد فاتنا شركةُ صالحيهم في الجنّة. وقد أعلَمَنا سبحانه بذلك كلّه من عدوّنا، وأمَرَنا أن نأخذ له أهبته، ونعدّ له عدّته.

ولمّا علم سبحانه أنّ آدم وبنيه قد بُلُوا بهذا العدوّ، وأنّه قد سُلِّط

  1. (١) "به" ساقط من ز.
  2. (٢) ز: "طرفة عين وصاحب لا ينام عنه".
  3. (٣) ت: "ببني جنسه وبنيه".
  4. (٤) ت: "فقد نصب".
  5. (٥) ت: "وعلمتم ما قد جرى".
  6. (٦) ز: "أن تكونوا شركاء".
225

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي