الداء والدواء

المخلوقات إليه إلا لأنّ الجهاد١ أحبُّ شيء إليه، وأهله أرفع الخلق عنده درجاتٍ، وأقربهم إليه وسيلةً. فعقد سبحانه لواء هذا الحرب٢ لخلاصة مخلوقاته، وهو القلب الذي هو محلُّ معرفتِه، ومحبّتِه، وعبوديتِه، والإخلاصِ له، والتوكلِ عليه، والإنابةِ إليه. فولّاه أمرَ هذا الحرب، وأيّده بجند من الملائكة لا يفارقونه، معقِّبات٣ من بين يديه ومن خلفه، يُعقِبُ بعضُهم بعضًا، كلّما ذهب بَدَلٌ جاء بَدَلٌ آخر، يثبّتونه، ويأمرونه بالخير، ويحضّونه عليه، ويعِدُونه بكرامة الله، ويصبّرونه، ويقولون: إنما هو صبر ساعة، وقد استرحتَ راحة الأبد.

ثم أمدّه سبحانه بجند آخر من وحيه وكلامه، فأرسل إليه رسوله، وأنزل إليه كتابه، فازداد قوةً إلى قوته، ومددًا إلى مدده٤، وعدّةً إلى عدّته.

وأمدّه٥ مع ذلك بالعقل وزيرًا له ومدبّرًا، وبالمعرفة مشيرة عليه ناصحةً له، وبالإيمان مثبّتًا له ومؤيدًا وناصرًا٦، وباليقين كاشفًا له عن حقيقة الأمر. حتّى كأنه يعاين٧ ما وعد الله به٨ أولياءَه وحزبَه

  1. (١) ف: "أن الجهاد".
  2. (٢) كذا في النسخ هنا وفيما يأتي، والحرب مؤنثة، وقد تذكّر. انظر: القاموس (حرب).
  3. (٣) ف: "له معقبات".
  4. (٤) انفردت ز هنا بزيادة: "وأعوانًا إلى أعوانه".
  5. (٥) ف: "وأيده".
  6. (٦) ز: "ناصرًا ومؤيدًا".
  7. (٧) أشار في حاشية س إلى أن في نسخة: "معاين".
  8. (٨) لم يرد "به" في س.
227

على جهاد أعدائه. فالعقل يدبّر أمرَ جيشه، والمعرفة تضع١ له أمورَ الحرب وأسبابها في مواضعها٢ اللائقة بها، والإيمان يثبّته ويقوّيه ويصبّره، واليقين يُقْدِم به ويحمل به الحملات الصادقة.

ثم أمدّ سبحانه القائمَ بهذا الحرب٣ بالقوى الظاهرة والباطنة، فجعل العينَ طليعتَه، والأذنَ صاحبَ خبره، واللسانَ ترجمانَه، واليدين والرجلين أعوانَه، وأقام ملائكتَه وحمَلَةَ عرشه يستغفرون له ويسألون له أن يقِيَه السّيئاتِ ويدخله الجنّات.

وتولّى سبحانه الدفع والدفاع عنه بنفسه، وقال: هؤلاء حزبي، وحزب الله هم المفلحون٤. وهؤلاء جندي ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ١٧٣﴾ [الصافات: ١٧٣] وعلّم عبادَه كيفية هذا الحرب والجهاد، فجمعها لهم في أربع كلمات، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٢٠٠﴾ [آل عمران: ٢٠٠].

ولا يتم أمر هذا الجهاد٥ إلا بهذه الأمور الأربعة فلا يتمّ له٦ الصبر إلا بمصابرة العدو، وهي مواقفته٧ ومنازلته، فإذا صابر عدوَّه

  1. (١) ل، ز: "تصنع".
  2. (٢) س، ز: "أسبابها مواضعها". ل: "ومواضعها".
  3. (٣) ز: "الأمر".
  4. (٤) قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ٢٢﴾ [المجادلة: ٢٢].
  5. (٥) ف: "أمر الجهاد".
  6. (٦) لم ترد "له " في س.
  7. (٧) في ل، ز: "موافقته"، وهو تصحيف صوابه ما أثبتنا من خا، خب. يقال: واقفه مواقفة ووِقافًا: وقف معه في حرب أو خصومة. وتواقف الفريقان في القتال. (اللسان - وقف). وفي ف: "مواقعته" ورسمها في س يشبه "مرافقته"، =
228

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي