الداء والدواء

على جهاد أعدائه. فالعقل يدبّر أمرَ جيشه، والمعرفة تضع١ له أمورَ الحرب وأسبابها في مواضعها٢ اللائقة بها، والإيمان يثبّته ويقوّيه ويصبّره، واليقين يُقْدِم به ويحمل به الحملات الصادقة.

ثم أمدّ سبحانه القائمَ بهذا الحرب٣ بالقوى الظاهرة والباطنة، فجعل العينَ طليعتَه، والأذنَ صاحبَ خبره، واللسانَ ترجمانَه، واليدين والرجلين أعوانَه، وأقام ملائكتَه وحمَلَةَ عرشه يستغفرون له ويسألون له أن يقِيَه السّيئاتِ ويدخله الجنّات.

وتولّى سبحانه الدفع والدفاع عنه بنفسه، وقال: هؤلاء حزبي، وحزب الله هم المفلحون٤. وهؤلاء جندي ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ١٧٣﴾ [الصافات: ١٧٣] وعلّم عبادَه كيفية هذا الحرب والجهاد، فجمعها لهم في أربع كلمات، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٢٠٠﴾ [آل عمران: ٢٠٠].

ولا يتم أمر هذا الجهاد٥ إلا بهذه الأمور الأربعة فلا يتمّ له٦ الصبر إلا بمصابرة العدو، وهي مواقفته٧ ومنازلته، فإذا صابر عدوَّه

  1. (١) ل، ز: "تصنع".
  2. (٢) س، ز: "أسبابها مواضعها". ل: "ومواضعها".
  3. (٣) ز: "الأمر".
  4. (٤) قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ٢٢﴾ [المجادلة: ٢٢].
  5. (٥) ف: "أمر الجهاد".
  6. (٦) لم ترد "له " في س.
  7. (٧) في ل، ز: "موافقته"، وهو تصحيف صوابه ما أثبتنا من خا، خب. يقال: واقفه مواقفة ووِقافًا: وقف معه في حرب أو خصومة. وتواقف الفريقان في القتال. (اللسان - وقف). وفي ف: "مواقعته" ورسمها في س يشبه "مرافقته"، =
228

احتاج إلى أمر آخر وهو المرابطة، وهي لزوم ثغر القلب وحراسته لئلّا يدخل منه العدو، ولزوم ثغر العين والأذن واللسان والبطن واليد والرجل. فهذه الثغور منها يدخل١ العدو، فيجوس خلالَ الديار، ويُفسِد ما قدر٢ عليه، فالمرابطة لزوم هذه الثغور. ولا يُخْلي مكانها، فيصادفَ العدوُّ الثغرَ خاليًا، فيدخل منه.

فهؤلاء أصحابُ رسول الله- ﷺ خيرُ الخلق بعد النبيين والمرسلين، وأعظمهم حمايةً وحراسةً من الشيطان، وقد أخلَوا المكان الذي أمِروا بلزومه يوم أُحد، فدخل منه العدوّ، فكان ما كان.

وجماع هذه الثلاثة٣ وعمودها الذي تقوم به هو تقوى الله، فلا ينفع الصبر ولا المصابرة ولا المرابطة إلا بالتقوى، ولا تقوم التقوى إلا على ساق الصبر.

فانظر الآن فيك إلى التقاء الجيشين واصطفاف العسكرين، وكيف تُدال مرةً، ويُدال٤ عليك أخرى؟

أقبل ملِكُ الكفر بجنوده وعساكره، فوجد القلبَ في حصنه جالسًا على كرسي مملكته٥، أمرُه نافذٌ في أعوانه، وجندُه قد حفّوا به،

  1. = ولم ينقط فيها إلا حرف القاف. وفي ط: "مقاومته"، وكذا في مطبوعة عدة الصابرين (٤٥).
  2. (١) ف: "يدخل منها".
  3. (٢) ف: "يقدر".
  4. (٣) ز: "البليه"، تصحيف.
  5. (٤) "العسكرين … يدال" ساقط من س.
  6. (٥) ف: "على كرسيه كرسي مملكته".
229

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي