أقوّي عزيمته، وأقوده بزمام الشهوة إلى الانخلاع من العصمة.
فلا تهملوا أمر هذا الثغر، وأفسِدوه بحسب استطاعتكم، وهوّنوا عليه أمرَه، وقولوا له: ما مقدار نظرةٍ تدعوك إلى تسبيح الخالق، والتأمّل لبديع صنعته وحسن هذه الصورة التي إنّما خُلِقَتْ ليستدلّ بها الناظرُ عليه؟ وما خلق الله لك العينين سدىً، وما خلق١ هذه الصورةَ لِيحجُبها عن النظر!
وإن ظفرتم به قليلَ العلم فاسدَ العقل، فقولوا: هذه الصورة مظهر٢ من مظاهر الحقّ ومجلىً من مجاليه، فادعوه إلى القول بالاتّحاد، فإنْ لم يقبل فالقول بالحلول العام أو الخاص٣. ولا تقنعوا
منه بدون ذلك، فإنّه يصير به من إخوان النصارى، فمُروه حينئذ بالعفّة والصيانة والعبادة والزهد في الدنيا، واصطادوا عليه الجهال. فهذا من أقرب خلفائي٤ وأكبر جندي، بل أنا من جنده وأعوانه!
فصل٥
ثم امنعوا ثغر الأذن أن يدخل منه٦ ما يُفسِد عليكم الأمرَ، فاجتهدوا
(١) س: "خلق الله".
(٢) ف: "هذه مظهر".
(٣) الاتحاد: وحدة الوجود، وهو القول بأنّ الحق عين الخلق. والحلول العام: القول بأن الله حال بذاته في كل مكان. والحلول الخاصّ كقول النسطورية من النصارى في المسيح بأن اللاهوت حل في الناسوت. انظر مجموع الفتاوى (٢/ ١٧١ - ١٧٢). وشرح النونية لمحمد خليل هراس (١/ ٥٩ - ٦٨).
(٤) ف، ل: "حلفائي".
(٥) كلمة "فصل" ساقطة من ز.
(٦) س: "عليه". ز: "عليكم ما يفسد الأمر".
أن لا تُدخِلوا١ منه إلا الباطلَ٢، فإنّه خفيف على النفس تستحليه وتستملحه، وتخيّروا٣ له أعذب الألفاظ وأسحرَها للألباب، وامزجوه بما تهوى النفوس مزجًا. وألقُوا الكلمة، فإنْ رأيتم منه إصغاءً إليها فزُجّوه بأخواتها. وكلّما صادفتم منه استحسان شيء فالْهَجُوا له٤ بذكره.
وإيّاكم أن يدخل من هذا الثغر شيء من كلام الله أو كلام رسوله٥ﷺ أو كلام النصحاء! فإن غُلِبتم على ذلك، ودخل من ذلك شيء٦، فحُولوا بينه وبيّن فهمه وتدبّره، والتفكر فيه٧، والعظة به، إمّا بإدخال ضدّه عليه، وإمّا بتهويل ذلك وتعظيمه، وأنّ هذا أمر قد حيل بين النفوس وبينه، فلا سبيل لها إليه، وهو حمل ثقيل عليها لا تستقِلّ به، ونحو ذلك؛ وإمّا بإرخاصه على النفوس وأنّ الاشتغال ينبغي أن يكون أهمَّ٨ بما هو أعلى٩ عند الناس، وأعزّ عليهم، وأغرب عندهم، وزبونه القابلون١٠ له أكثر. وأما الحق١١ فهو مهجور،