الداء والدواء

أن لا تُدخِلوا١ منه إلا الباطلَ٢، فإنّه خفيف على النفس تستحليه وتستملحه، وتخيّروا٣ له أعذب الألفاظ وأسحرَها للألباب، وامزجوه بما تهوى النفوس مزجًا. وألقُوا الكلمة، فإنْ رأيتم منه إصغاءً إليها فزُجّوه بأخواتها. وكلّما صادفتم منه استحسان شيء فالْهَجُوا له٤ بذكره.

وإيّاكم أن يدخل من هذا الثغر شيء من كلام الله أو كلام رسوله٥ ﷺ أو كلام النصحاء! فإن غُلِبتم على ذلك، ودخل من ذلك شيء٦، فحُولوا بينه وبيّن فهمه وتدبّره، والتفكر فيه٧، والعظة به، إمّا بإدخال ضدّه عليه، وإمّا بتهويل ذلك وتعظيمه، وأنّ هذا أمر قد حيل بين النفوس وبينه، فلا سبيل لها إليه، وهو حمل ثقيل عليها لا تستقِلّ به، ونحو ذلك؛ وإمّا بإرخاصه على النفوس وأنّ الاشتغال ينبغي أن يكون أهمَّ٨ بما هو أعلى٩ عند الناس، وأعزّ عليهم، وأغرب عندهم، وزبونه القابلون١٠ له أكثر. وأما الحق١١ فهو مهجور،

  1. (١) ز: "يدخل".
  2. (٢) ف: "بالباطل".
  3. (٣) س: "وتحرّوا".
  4. (٤) "له" ساقط من ف.
  5. (٥) س: "وكلام رسوله". وسقط "كلام الله أو" من ل.
  6. (٦) س: "شيء من ذلك".
  7. (٧) ف: "تفكره والتدبر فيه". ز: "تدبره وتفكره فيه".
  8. (٨) "أهمّ" كذا في جميع النسخ! وقد حذفها الناشرون.
  9. (٩) ز: "أغلى" بالمعجمة.
  10. (١٠) س: "القائلون"، خطأ. ووضع بعضهم في ف علامة الهمزة مع وجود نقطة الباء! وفي ز: "زبونهم". وكلمة "الزبون" مفردة، واستعملت هنا للجمع.
  11. (١١) س: "الخلق"، خطأ.
232

وقابله١ معرِّضٌ نفسَه للعداوة، والرائج بين الناس أولى بالإيثار، ونحو ذلك. فيُدخِلون الباطلَ عليه٢ في كلّ قالب يقبله ويخِفّ عليه، ويُخرجون له الحقَّ في كل قالب يكرهه ويثقل عليه.

وإذا شئت أن تعرف ذلك فانظر إلى إخوانهم من شياطين الإنس، كيف يُخرِجون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قالب كثرة الفضول، وتتبّع عثرات الناس، والتعرض من البلاء لما لا يطيق٣، وإلقاء الفتن بين الناس، ونحو ذلك. ويُخرِجون اتّباعَ السنّة، ووصفَ الربّ تعالى بما وصف به نفسَه، ووصفه به رسولُه، في قالب التشبيه والتجسيم والتكييف.

ويسمون علوَّ الله على خلقه، واستواءَه على عرشه، ومباينتَه لمخلوقاته "تحيّزًا"، ويسمّون نزولَه إلى سماء الدنيا٤ وقوله: "من يسألني فأعطيه"٥ تحرُّكًا وانتقالًا، ويسمّون ما وصف به نفسَه من اليد والوجه أعضاءً وجوارح، ويسمّون ما يقوم به من أفعاله "حوادث"، وما يقوم به من صفاته٦ "أعراضًا". ثم يتوصلون إلى نفي ما وصف به نفسَه بنفي هذه الأمور، ويُوهمون الأغمار وضعفاءَ البصائر أنّ إثبات الصفات

  1. (١) س، ز: "قائله". ل: "صاحبه".
  2. (٢) ف: "عليه الباطل".
  3. (٣) "لما لا يطيق" ساقط من ز.
  4. (٤) س: "السماء الدنيا".
  5. (٥) يشير إلى حديث أبي هريرة ﵁، أخرجه البخاري في التهجد، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل (١١٤٥)، ومسلم في صلاة المسافرين، باب الترغيب في الدعاء … (٧٥٨).
  6. (٦) ز: "من خيفته"، تحريف.
233

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي