وقابله١ معرِّضٌ نفسَه للعداوة، والرائج بين الناس أولى بالإيثار، ونحو ذلك. فيُدخِلون الباطلَ عليه٢ في كلّ قالب يقبله ويخِفّ عليه، ويُخرجون له الحقَّ في كل قالب يكرهه ويثقل عليه.
وإذا شئت أن تعرف ذلك فانظر إلى إخوانهم من شياطين الإنس، كيف يُخرِجون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قالب كثرة الفضول، وتتبّع عثرات الناس، والتعرض من البلاء لما لا يطيق٣، وإلقاء الفتن بين الناس، ونحو ذلك. ويُخرِجون اتّباعَ السنّة، ووصفَ الربّ تعالى بما وصف به نفسَه، ووصفه به رسولُه، في قالب التشبيه والتجسيم والتكييف.
ويسمون علوَّ الله على خلقه، واستواءَه على عرشه، ومباينتَه لمخلوقاته "تحيّزًا"، ويسمّون نزولَه إلى سماء الدنيا٤ وقوله: "من يسألني فأعطيه"٥ تحرُّكًا وانتقالًا، ويسمّون ما وصف به نفسَه من اليد والوجه أعضاءً وجوارح، ويسمّون ما يقوم به من أفعاله "حوادث"، وما يقوم به من صفاته٦ "أعراضًا". ثم يتوصلون إلى نفي ما وصف به نفسَه بنفي هذه الأمور، ويُوهمون الأغمار وضعفاءَ البصائر أنّ إثبات الصفات
(١) س، ز: "قائله". ل: "صاحبه".
(٢) ف: "عليه الباطل".
(٣) "لما لا يطيق" ساقط من ز.
(٤) س: "السماء الدنيا".
(٥) يشير إلى حديث أبي هريرة ﵁، أخرجه البخاري في التهجد، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل (١١٤٥)، ومسلم في صلاة المسافرين، باب الترغيب في الدعاء … (٧٥٨).
(٦) ز: "من خيفته"، تحريف.
التي نطق بها كتابُ الله وسنةُ رسوله يستلزم هذه الأمور، ويُخرجون هذا التعطيل في قالب التنزيه والتعظيم.
وأكثرُ الناس ضعفاءُ العقول يقبلون الشيِء بلفظٍ، ويردّونه بعينه بلفظ آخر١! قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾[الأنعام: ١١٢]. فسمّاه "زخرفًا" وهو باطل٢؛ لأنّ صاحبه يزخرفه ويزيّنه ما استطاع، ويُلقيه إلى سمع المغرور، فيغترُّ به.
والمقصود أنّ الشيطان قد لزم ثغرَ الأذن٣، يُدخِل فيها ما يضرّ العبدَ ولا ينفعه، ويمنع أن يدخل إليها ما ينفعه، وإن دخل بغير اختياره أفسده عليه٤.
فصل٥
ثم يقول: قوموا على ثغر اللسان، فإنّه الثغر الأعظم، وهو قُبالة الملك٦، فأجْرُوا عليه من الكلام ما يضرّه ولا ينفعه، وامنعوه أن يجري عليه شيء مما ينفعه من ذكر الله تعالى، واستغفاره، وتلاوة كتابه، ونصيحة عباده، أو التكلّم بالعلم النافع.