التي نطق بها كتابُ الله وسنةُ رسوله يستلزم هذه الأمور، ويُخرجون هذا التعطيل في قالب التنزيه والتعظيم.
وأكثرُ الناس ضعفاءُ العقول يقبلون الشيِء بلفظٍ، ويردّونه بعينه بلفظ آخر١! قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾[الأنعام: ١١٢]. فسمّاه "زخرفًا" وهو باطل٢؛ لأنّ صاحبه يزخرفه ويزيّنه ما استطاع، ويُلقيه إلى سمع المغرور، فيغترُّ به.
والمقصود أنّ الشيطان قد لزم ثغرَ الأذن٣، يُدخِل فيها ما يضرّ العبدَ ولا ينفعه، ويمنع أن يدخل إليها ما ينفعه، وإن دخل بغير اختياره أفسده عليه٤.
فصل٥
ثم يقول: قوموا على ثغر اللسان، فإنّه الثغر الأعظم، وهو قُبالة الملك٦، فأجْرُوا عليه من الكلام ما يضرّه ولا ينفعه، وامنعوه أن يجري عليه شيء مما ينفعه من ذكر الله تعالى، واستغفاره، وتلاوة كتابه، ونصيحة عباده، أو التكلّم بالعلم النافع.
(١) "ويردونه بعينه بلفظ" سقط من ف لانتقال النظر.
(٢) س: "الباطل".
(٣) س: "الآذان".
(٤) ما عدا ف: "أفسد عليه".
(٥) كلمة "فصل" غير موجودة في ز.
(٦) قبالة الشيء: تجاهه، وما استقبلك منه.
ويكون لكم في هذا الثغر أمران١ عظيمان لا تبالُون بأيّهما ظفرتم: أحدهما: التكلم بالباطل، فإنّ المتكلم بالباطل أخ من إخوانكم، ومن أكبر جندكم وأعوانكم.
والثاني٢: السكوت عن الحقّ، فإنّ الساكت عن الحقّ أخ لكم أخرس، كما أنّ الأولَ أخ لكم ناطق، وربما كان الأخ الثاني أنفع إخوانكم لكم. أما سمعتم قول الناصح: المتكلِّمُ بالباطل شيطان ناطق، والساكتُ عن الحقّ شيطان أخرس٣.
فالرباطَ الرباطَ على هذا الثغر أن يتكلّم بحق، أو يمسك عن باطل٤. وزيّنوا له التكلّمَ بالباطل بكلّ طريق. وخوّفوه من التكلم بالحق بكل طريق.
واعلموا يا بَنيَّ أنّ ثغر اللسان هو الذي أُهلِكُ منه بني آدم، وأكُبُّهم منه٥ على مناخرهم في النار، فكم لي من قتيل وأسير وجريح أخذتُه من هذا الثغر!
وأوصيكم٦ بوصيّة، فاحفظوها: لِينطِقْ أحدكم على لسان أخيه من الإنس بالكلمة، ويكون الآخر على لسان السامع، فينطق باستحسانها
(١) س، ل: "أثران".
(٢) س: "الثاني" دون واو العطف.
(٣) نحوه في إعلام الموقعين (٢/ ١٧٧). ونقل القشيري من كلام شيخه أبي علي الدقاق: "من سكت عن الحق فهو شيطان أخرس". الرسالة (١٢٠).