الداء والدواء

ويكون لكم في هذا الثغر أمران١ عظيمان لا تبالُون بأيّهما ظفرتم: أحدهما: التكلم بالباطل، فإنّ المتكلم بالباطل أخ من إخوانكم، ومن أكبر جندكم وأعوانكم.

والثاني٢: السكوت عن الحقّ، فإنّ الساكت عن الحقّ أخ لكم أخرس، كما أنّ الأولَ أخ لكم ناطق، وربما كان الأخ الثاني أنفع إخوانكم لكم. أما سمعتم قول الناصح: المتكلِّمُ بالباطل شيطان ناطق، والساكتُ عن الحقّ شيطان أخرس٣.

فالرباطَ الرباطَ على هذا الثغر أن يتكلّم بحق، أو يمسك عن باطل٤. وزيّنوا له التكلّمَ بالباطل بكلّ طريق. وخوّفوه من التكلم بالحق بكل طريق.

واعلموا يا بَنيَّ أنّ ثغر اللسان هو الذي أُهلِكُ منه بني آدم، وأكُبُّهم منه٥ على مناخرهم في النار، فكم لي من قتيل وأسير وجريح أخذتُه من هذا الثغر!

وأوصيكم٦ بوصيّة، فاحفظوها: لِينطِقْ أحدكم على لسان أخيه من الإنس بالكلمة، ويكون الآخر على لسان السامع، فينطق باستحسانها

  1. (١) س، ل: "أثران".
  2. (٢) س: "الثاني" دون واو العطف.
  3. (٣) نحوه في إعلام الموقعين (٢/ ١٧٧). ونقل القشيري من كلام شيخه أبي علي الدقاق: "من سكت عن الحق فهو شيطان أخرس". الرسالة (١٢٠).
  4. (٤) س: "الباطل".
  5. (٥) لم يرد "منه" في س. وفي ف: "فيه"، ولعله تحريف.
  6. (٦) ز: "أوصيتكم".
235

وتعظيمها والتعجب منها، ويطلب من أخيه إعادتها.

وكونوا أعوانًا على الإنس بكل طريق، وادخلوا عليهم من كل باب، واقعدوا لهم كلّ مرصد١. أما سمعتم قسمي الذي أقسمتُ به لربّهم حيث قلتُ: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ١٦ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ١٧﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧].

أوما٢ ترَوني قد قعدتُ لابن آدم بطرقه كلّها، فلا يفوتني من طريق إلا قعدتُ له بطريق غيره٣ حتى أصيب٤ منه حاجتي أو بعضَها. وقد حذّرهم ذلك رسولهم٥، فقال لهم: "إن الشيطان قد قعد لابن آدم بطرقه٦ كلّها، فقعد له بطريق الإِسلام، فقال: أتُسلِمُ وتذَر دينك ودين آبائك؟ فخالفه، وأسلم. فقعد له بطريق الهجرة، فقال: أتهاجر وتذر أرضك وسماءك؟ فخالفه، وهاجر. فقعد له بطريق الجهاد، فقال: تجاهد، فتُقتَلُ، فيُقسَم المال٧، وتُنكح الزوجةُ! "٨.

  1. (١) ف: "في كل مرصد".
  2. (٢) س: "أما".
  3. (٣) ف: "إلا أتيته من طريق آخر".
  4. (٤) س: "أصبتُ"، ولعله تصحيف.
  5. (٥) بعده في س: "اللهم صل على محمَّد رسولك وبارك عليه وسلم وعلى آله وصحبه". وفي ز: "رسوله".
  6. (٦) س: "بأطرقه".
  7. (٧) ز: "ويقسم المال".
  8. (٨) أخرجه النسائي (٣١٣٤) وأحمد ٣/ ٤٨٣ (١٥٩٥٨) وابن حبان (٤٥٩٣) وابن أبي عاصم في الجهاد (١٣) والبخاري في تاريخه (٤/ ١٨٧ - ١٨٨) وغيرهم، =
236

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي