وأرُوها إياه في أحسنِ صورةِ عروسٍ توجد، وقولوا له: ذُقْ طعمَ هذا الوصال والتمتعّ بهذه العروس، كما ذقتَ طعمَ الحرب، وباشرتَ مرارة الطعن والضرب. ثم وازِنْ بين لذة هذه المسالمة١ ومرارة تلك المحاربة، فدع الحربَ تضع أوزارها، فليست بيومٍ وينقضي، وإنّما هو حرب متّصل بالموت، وقواك تضعف عن حِراب دائم٢.
واستعينوا يا بنيّ بجندين عظيمين لن تُغلَبوا معهما:
أحدهما: جند الغفلة، فأغفِلوا قلوبَ بني آدم عن اللهِ والدارِ الآخرة بكلّ طريق، فليس لكم شيء أبلغ في تحصيل غرضكم من ذلك، فإنّ القلب إذا غفل عن الله تمكّنتم منه ومن أعوانه٣.
والثاني: جند الشهوات فزيّنوها في قلوبهم، وحسِّنوها في أعينهم.
وصولوا عليهم بهذين العسكرين، فليس لكم في بني آدم أبلغُ منهما. واستعينوا على الغفلة بالشهوات، وعلى الشهوات بالغفلة، واقرنوا بين الغافلَين، ثم استعينوا بهما على الذاكر، ولا يغلب واحدٌ خمسةً، فإنّ مع الغافلَين شيطانَين، صاروا أربعةً، وشيطان الذاكر معهم.
وإذا رأيتم جماعةً مجتمعين على ما يضرّكم من ذكر الله أو مذاكرة٤ أمره ونهيه ودينه، ولم تقدروا على تفريقهم، فاستعينوا عليهم ببني
(١) ف: "المسلة"، تحريف.
(٢) ف، ل: "حرب دائم".
(٣) ف: "إغوائه".
(٤) س، ل: "ومذاكرة".
جنسهم من الإنس البطّالين، فقرّبوهم منهم، وشوّشوا عليهم بهم.
وبالجملة فأعِدّوا للأمور أقرانَها، وادخلوا على كل واحد من بني آدم من باب إرادته وشهوته، فساعدوه عليها، وكونوا عونًا له١ على تحصيلها. وإذا كان الله قد أمرهم أن يصبروا لكم، ويصابروكم، ويرابطوا عليكم الثغورَ؛ فاصبروا أنتم، وصابروا، ورابطوا عليهم الثغورَ، وانتهزوا فرصكم فيهم عند الشهوة والغضب، فلا تصطادون٢ بني آدم في أعظم من هذين الموطنين!
واعلموا أنّ منهم من يكون سلطان الشهوة عليه أغلب، وسلطان غضبه ضعيف مقهور، فخذوا عليه طريق الشهوة، ودَعُوا طريق الغضب. ومنهم من يكون سلطان٣ الغضب عليه أغلب، فلا تُخْلوا طريقَ الشهوة عليه، ولا تعطّلوا ثغرَها٤، فإنّ من لم يملك نفسه عند الغضب فإنه بالحرى أن لا يملكها٥ عند الشهوة. فزوِّجوا بين غضبه وشهوته، وامزجوا أحدهما بالآخر، وادعوه إلى الشهوة من باب الغضب، وإلى الغضب من طريق الشهوة.
واعلموا أنه ليس لكم في بني آدم سلاح أبلغ من هذين السلاحين.
وإنما أخرجتُ أبوَيهم من الجنّة بالشهوة، وإنما ألقيتُ العداوة بين
(١) ل: "له عونًا له". س: "لها أعوانًا"، وفي حاشيتها أشير إلى أن في نسخة: "وكونوا أعوانا له".
(٢) ز: "فلا تصطادوا".
(٣) غيرها بعضهم في ف إلى "شيطان".
(٤) ف: "طريق الشهوة قلبه، ولا تعطلوه بغيرها"، وهي محرّفة.