الداء والدواء

جنسهم من الإنس البطّالين، فقرّبوهم منهم، وشوّشوا عليهم بهم.

وبالجملة فأعِدّوا للأمور أقرانَها، وادخلوا على كل واحد من بني آدم من باب إرادته وشهوته، فساعدوه عليها، وكونوا عونًا له١ على تحصيلها. وإذا كان الله قد أمرهم أن يصبروا لكم، ويصابروكم، ويرابطوا عليكم الثغورَ؛ فاصبروا أنتم، وصابروا، ورابطوا عليهم الثغورَ، وانتهزوا فرصكم فيهم عند الشهوة والغضب، فلا تصطادون٢ بني آدم في أعظم من هذين الموطنين!

واعلموا أنّ منهم من يكون سلطان الشهوة عليه أغلب، وسلطان غضبه ضعيف مقهور، فخذوا عليه طريق الشهوة، ودَعُوا طريق الغضب. ومنهم من يكون سلطان٣ الغضب عليه أغلب، فلا تُخْلوا طريقَ الشهوة عليه، ولا تعطّلوا ثغرَها٤، فإنّ من لم يملك نفسه عند الغضب فإنه بالحرى أن لا يملكها٥ عند الشهوة. فزوِّجوا بين غضبه وشهوته، وامزجوا أحدهما بالآخر، وادعوه إلى الشهوة من باب الغضب، وإلى الغضب من طريق الشهوة.

واعلموا أنه ليس لكم في بني آدم سلاح أبلغ من هذين السلاحين.

وإنما أخرجتُ أبوَيهم من الجنّة بالشهوة، وإنما ألقيتُ العداوة بين

  1. (١) ل: "له عونًا له". س: "لها أعوانًا"، وفي حاشيتها أشير إلى أن في نسخة: "وكونوا أعوانا له".
  2. (٢) ز: "فلا تصطادوا".
  3. (٣) غيرها بعضهم في ف إلى "شيطان".
  4. (٤) ف: "طريق الشهوة قلبه، ولا تعطلوه بغيرها"، وهي محرّفة.
  5. (٥) ف: "لا يملك نفسه".
240

أولادهم بالغضب. فبه قطعتُ أرحامَهم، وسفكتُ دماءَهم، وبه قتل أحدُ ابنَي آدم أخاه.

واعلموا أنّ الغضب جمرةٌ في قلب ابن آدم، والشهوةَ نارٌ تثور من قلبه، وإنما تُطفأ النارُ بالماء والصلاة والذكر والتكبير١، فإياكم أن تمكِّنوا ابنَ آدم عند غضبه وشهوته من قربان الوضوء والصلاة، فإنّ ذلك يطفئ عنهم نارَ الغضب والشهوة. وقد أمرهم نبيُّهم بذلك، فقال: "إنّ الغضبَ جمرةٌ في قلب ابن آدم. أما رأيتم من احمرار عينيه وانتفاخ أوداجه؟ فمن أحسَّ بذلك فليتوضأ"٢. وقال لهم: "إنّما تُطفَأ النارُ بالماء"٣.

  1. (١) يشير إلى حديث عبد الله بن عمرو عند العقيلي في الضعفاء (٢/ ٢٩٦) وابن عدي في الكامل (٤/ ١٥١) وابن السنيّ في عمل اليوم والليلة (٢٩٥ - ٢٩٨) وغيرهم، من طرق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جلّه فذكره. ولا يثبت منها شيء، كلها واهية. وقد أشار المؤلف وشيخه إلى ضعفه بقولهما "روي … ". انظر مجموع الفتاوى (٢٤/ ٢٢٩) والوابل الصيب (٣٥٩).
  2. (٢) أخرجه الترمذي (٢١٩١) وابن ماجه (٤٠٠٠) وأحمد ٣/ ١٩ (١١١٤٣) والحاكم ٤/ ٥٥١ (٨٥٤٣) وغيرهم، من طريق علي بن زيد بن جدعان عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري فذكره مطولًا. قال الحاكم: "هذا حديث تفرد بهذه السياقة علي بن زيد بن جدعان القرشي عن أبي نضرة، والشيخان ﵄ لم يحتجا بعلي بن زيد". وقال الذهبي معقّبًا: "ابن جدعان صالح الحديث".
    قلت: ابن جدعان إلى الضعف أقرب، وخاصة إذا تفرد بهذا السياق الطويل.
    وقد جاء عن الحسن البصري وزيد بن أسلم عن النبي- ﷺ مرسلًا أو معضلًا. أخرجه عبد الرزاق ١١/ ١٨٨ (٢٠٢٨٨، ٢٠٢٨٩).
  3. (٣) أخرجه أبو داود (٤٧٨٤) وأحمد (٤/ ٢٢٦) والبخاري في تاريخه (٧/ ٨) =
241

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي