ومن تأمّل هذا الموضع تبيّن له أنّ أكثر هذا الخلق قد نسُوا أنفسَهم حقيقةً، وضيّعوها، وأضاعوا حظّها من الله، وباعوها رخيصةً بثمن بخس بيعَ الغبن. وإنما يظهر لهم هذا١ عند الموت، ويظهر كلّ الظهور يومَ التغابن، يومَ يظهر للعبد أنه غُبنَ في العقد الذي عقده لنفسه في هذه الدار، والتجارة التي اتجر فيها٢ لمعاده، فإنّ كل أحد يتجر٣ في هذه الدنيا لآخرته٤.
فالخاسرون الذين يعتقدون أنهم أهل الربح والكسب اشتروا الحياة الدنيا وحظَّهم فيها ولذّاتِهم بالآخرة وحظِّهم فيها، فأذهبوا طيّباتِهم في حياتهم الدنيا، واستمتعوا بها، ورضوا بها، واطمأنّوا إليها. وكان سعيُهم لتحصيلها، فباعوا، واشتروا، واتجروا. وباعوا آجلًا بعاجل، ونسيئةً بنقد، وغائبًا بناجزٍ؛ وقالوا: هذا هو الحزم. ويقول أحدهم:
خذْ ما تراه ودع شيئًا سمعتَ به٥
وكيف أبيع حاضرًا نقدًا مُشاهَدًا في هذه الدار بغائب نسيئة في دار
(١) ز: "غدًا".
(٢) ف: "لنفسه في هذه التجارة التي اتجرها".
(٣) ف: "متجر".
(٤) ل: "الآخرة"، وسقط منها: "والتجارة التي … الدنيا".
(٥) للمتنبي في ديوانه (٤٩٠) وعجز البيت: في طلعة الشمس ما يغنيك عنْ زُحَلِ
أخرى غير هذه١؟ وينضمّ إلى ذلك ضعفُ الإيمان، وقوةُ داعي الشهوة، ومحبّةُ العاجلة، والتشبه ببني الجنس.
فأكثر الخلق في هذه التجارة الخاسرة التي قال الله سبحانه في أهلها: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ٨٦﴾[البقرة: ٨٦]. وقال فيهم: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ١٦﴾[البقرة: ١٦]. فإذا كان يومُ التغابن ظهر لهم الغبنُ في هذه التجارة، فتتقطع٢ عليها النفوس حسرات.
وأمّا الرابحون، فإنّهم باعوا فانيًا بباقٍ، وخسيسًا بنفيسٍ، وحقيرًا بعظيم، وقالوا: ما مقدار هذه الدنيا مِن أولها إلى آخرها حتّى نبيع حظنا٣ من الله والدار الآخرة بها؟ فكيف بما ينال العبدُ منها٤ في هذا الزمن القصير الذي هو في الحقيقة كغَفْوةِ حُلْمٍ، لا نسبة له إلى دار البقاء البتة؟