الداء والدواء

أخرى غير هذه١؟ وينضمّ إلى ذلك ضعفُ الإيمان، وقوةُ داعي الشهوة، ومحبّةُ العاجلة، والتشبه ببني الجنس.

فأكثر الخلق في هذه التجارة الخاسرة التي قال الله سبحانه في أهلها: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ٨٦﴾ [البقرة: ٨٦]. وقال فيهم: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ١٦﴾ [البقرة: ١٦]. فإذا كان يومُ التغابن ظهر لهم الغبنُ في هذه التجارة، فتتقطع٢ عليها النفوس حسرات.

وأمّا الرابحون، فإنّهم باعوا فانيًا بباقٍ، وخسيسًا بنفيسٍ، وحقيرًا بعظيم، وقالوا: ما مقدار هذه الدنيا مِن أولها إلى آخرها حتّى نبيع حظنا٣ من الله والدار الآخرة بها؟ فكيف بما ينال العبدُ منها٤ في هذا الزمن القصير الذي هو في الحقيقة كغَفْوةِ حُلْمٍ، لا نسبة له إلى دار البقاء البتة؟

قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥].

وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ٤٢ فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا ٤٣ إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا ٤٤ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا ٤٥ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ٤٦﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٦].

  1. (١) ز: "غيرها".
  2. (٢) كذا في ز. وفي ف: "فتنقطع" ولم ينقط في غيرهما.
  3. (٣) ز: "تبيع حظّا".
  4. (٤) س: "بها".
246

وقال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥].

وقال تعالى: (﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ١١٢ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ ١١٣ قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ١١٤﴾ [المؤمنون: ١١٢ - ١١٤].

وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا ١٠٢ يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا ١٠٣ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا ١٠٤﴾ [طه: ١٠٢ - ١٠٤].

فهذا حقيقة هذه الدنيا عند موافاة القيامة١. فلما علموا قلّةَ لبثهم فيها، وأنّ لهم دارًا غيرَ هذه الدار، هي دار الحيَوان ودار البقاء = رأوا من أعظم الغبن بيعَ دار البقاء بدار الفناء، فاتّجروا تجارة الأكياس، ولم يغترّوا بتجارة السفهاء من الناس، فظهر لهم يومَ التغابن ربحُ تجارتهم ومقدارُ ما اشتروه. وكلُّ أحد٢ في هذه الدنيا٣ بائعٌ مشترٍ متّجرٌ، وكل الناس يغدو، فبائعٌ نفسَه فموبِقُها، أو مبتاعُها فمُعتِقُها٤.

﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ

  1. (١) ز: "يوم القيامة".
  2. (٢) س: "كل واحد".
  3. (٣) "الدنيا" ساقط من ز.
  4. (٤) في حديث أبي مالك الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كل الناس يغدو، فبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها". أخرجه مسلم في الطهارة، باب فضل الوضوء (٢٢٣).
247

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي