الداء والدواء

بطاعته.

وقد جعل الله سبحانه لكل شيء سببًا وآفةً: سببًا يجلبه، وآفة تبطله. فجعل أسبابَ نعمِه الجالبةَ لها طاعتَه، وآفاتِها المانعةَ منها١ معصيتَه. فإذا أراد حفظَ نعمته على عبده ألهمه رعايتها بطاعته فيها، وإذا أراد زوالها عنه خذَلَه حتى عصاه بها.

ومن العجب علمُ العبدِ بذلك مشاهدةً في نفسه وغيره، وسماعًا لما غاب عنه مِن أخبار مَن أزيلت نِعمُ الله عنهم بمعاصيه، وهو مقيم على معصية الله، كأنّه مستثنىً من هذه الجملة، أو مخصوص من هذا العموم، وكأنّ هذا أمر جارٍ على الناس لا عليه٢، وواصلٌ إلى الخلق لا إليه!

فأيّ جهل أبلغ من هذا؟ وأي ظلم للنفس فوق هذا؟ فالحكم لله العلي الكبير.

فصل

ومن عقوباتها: أنها تباعد عن العبد وليَّه، وأنفعَ الخلقِ له، وأنصحَهم له، ومَن سعادتُه في قربه منه، وهو الملَك الموكَّلُ به. وتُدني منه عدوَّه، وأغشَّ الخلق له وأعظمَهم ضررًا له، وهو الشيطان. فإنّ العبد إذا عصى الله تباعد منه الملَك بقدر تلك المعصية، حتّى إنّه يتباعد عنه بالكذبة الواحدة مسافة بعيدة.

  1. (١) "المانعة منها" ساقط من ف.
  2. (٢) س، ز: "إلّا عليها" وكذلك فيما بعد: "إلا إليه".
249

وفي بعض الآثار: "إذا كذب العبدُ تباعد منه الملَك ميلًا مِن نتَنِ ريحه"١. فإذا كان هذا تباعُدَ المَلكِ منه من كذبة واحدة، فماذا يكون مقدارُ بعده منه مما هو أكبر من ذلك وأفحش منه؟

وقال بعض السلف: إذا ركب الذكَرُ الذكَرَ عجّت الأرضُ إلى الله، وهربت الملائكةُ إلى ربّها، وشكتْ إليه عظيمَ ما رأتْ٢.

وقال بعض السلف: إذا أصبح العبدُ ابتدره الملَك والشيطانُ، فإن٣ ذكر الله وكبّره وحمِده وهلّله طرد الملكُ الشيطانَ وتولّاه، وإن افتتح بغير ذلك ذهب الملك عنه٤، وتولّاه الشيطان٥.

ولا يزال الملَك يقرب من العبد حتى يصير الحكم والغلبة والطاعة

  1. (١) أخرجه الترمذي (١٩٧٢) والطبراني في الصغير (٨٥٣) وابن أبي الدنيا في الصمت (٤٧٧) وابن حبان في المجروحين (٢/ ١٣٧) وابن عدي في الكامل (٥/ ٢٨٣) وغيرهم، من طريق عبد الرحيم بن هارون عن عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر فذكره مرفوعًا. والحديث منكر لا يثبت لتفرد عبد الرحيم بن هارون به عن عبد العزيز. وعبد الرحيم قال فيه أبو حاتم: "مجهول لا أعرفه". وقال الدارقطني: "متروك الحديث يكذب". وقال ابن عدي: "لم أر للمتقدمين فيه كلامًا. وإنما ذكرته لأحاديث رواها مناكير عن قوم ثقات".
  2. (٢) ز: "عظم ما رأت". ونسب المؤلف أوله في روضة المحبين (٥٠٥) إلى عباس الدُّوري. ثم نقل نصًّا أطول مما هنا فيه (٥١٤) عن "بعض العلماء" (ص).
    أخرجه الآجرّي في ذم اللواط (٢) عن عباس الدوري قال: "بلغني أن الأرض تعج من ذكر على ذكر". وذكره الذهبي في الكبائر (٧٠) بمعناه (ز).
  3. (٣) س: "فإذا".
  4. (٤) "عنه" ساقط من ز.
  5. (٥) "وتولّاه وإن … الشيطان" ساقط من س (ص) لم أقف على الأثر (ز).
250

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي