الداء والدواء

يُجلّه، ولا يوقّره. وقد نبّه سبحانه على هذا المعنى بقوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ١٠ كِرَامًا كَاتِبِينَ ١١﴾ [الانفطار: ١٠ - ١١] أي: استحيُوا هؤلاء١ الحافظين الكرامَ، وأكرِمُوهم، وأجِلُّوهم أن يروا منكم ما تستحيُوا٢ أن يراكم عليه مَن هو مثلُكم.

والملائكة تتأذّى مما يتأذّى منه بنو آدم٣. فإذا كان ابن آدم يتأذّى ممن يفجر ويعصي بين يديه، وإن كان قد يعمل مثل عمله، فما الظنّ بأذى الملائكة الكرام الكاتبين؟ والله المستعان.

  1. = يفارقكم إلا عند الغائط وحين يفضي الرجل إلى أهله، فاستحيوهم وأكرموهم". قال الترمذي: "هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه".
    ورواه الحسن بن أبي جعفر البصري عن ليث عن محمَّد بن عمرو عن أبيه عن زيد بن ثابت فذكره بنحوه. أخرجه البيهقي في الشعب (٧٣٤٥).
    قلت: الحسن بن أبي جعفر ضعيف الحديث. والحديث مداره على ليث بن أبي سليم، وفي حفظه كلام. والحديث ضعفه الترمذي والبيهقي وعبد الحق الإشبيلي ووافقه ابن القطان. انظر بيان الوهم والإيهام (١٢٧٩).
    وروي نحوه من حديث أبي هريرة، وهو ضعيف جدًا. انظر شعب الإيمان (٧٣٤٤).
  2. (١) زاد بعضهم "من" في ف: "من هؤلاء". واستحييته، واستحييت منه كلاهما صحيح.
  3. (٢) كذا في جميع النسخ، والوجه: "تستحيون".
  4. (٣) كما في حديث جابر بن عبد الله ﵄. أخرجه مسلم في المساجد، باب نهي من أكل ثومًا … (٥٦٤).
256

فصل

ومن عقوباتها: أنّها تستجلب موادّ هلاك العبد في دنياه وآخرته.

فإنّ الذنوب هي أمراض متى استحَكمَتْ قتلَتْ، ولابدّ. وكما أنّ البدن لا يكون صحيحًا إلا بغذاءٍ يحفظ قوته، واستفراغ يستفرغ الموادّ الفاسدة والأخلاط الرديئة التي متى غلبت عليه أفسدته، وحِميةٍ يمتنع بها من تناول ما يؤذيه ويخشى ضررَه؛ فكذلك القلبُ لا تتمّ حياتُه إلا بغذاءٍ من الإيمان والأعمال الصالحة يحفظ قوته، واستفراغ بالتوبة النصوح يستفرغ١ الموادّ الفاسدة والأخلاط الرديئة منه، وحميةٍ تُوجِب له حفظ الصحة وتجنّب ما يضادها، وهي عبارة عن ترك استعمال ما يضادّ الصحة. والتقوى اسم متناول٢ لهذه الأمور الثلاثة، فما فات منها فات من التقوى بقدره.

وإذا تبين هذا فالذنوب مضادّة لهذه الأمور الثلاثة، فإنها تستجلب الموادّ المؤذية، وتُوجب التخليطَ المضادَّ للحمية، وتمنع الاستفراغ بالتوبة النصوح.

فانظر إلى بدن عليل قد تراكمت عليه الأخلاط الرديئة٣ وموادّ المرض، وهو لا يستفرغها ولا يحتمي لها، كيف تكون صحته وبقاؤه؟ ولقد أحسن٤ القائل:

  1. (١) ف: "تستفرغ". ز: "يستخرج".
  2. (٢) ل: "مشارك"، تحريف.
  3. (٣) "الرديئة" ساقط من ز.
  4. (٤) ف: "وقد أحسن".
257

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي