فمن حفظ القوةَ بامتثال الأوامر، واستعمل الحِمْيةَ باجتناب النواهي، واستفرغ التخليطَ بالتوبة النصوح = لم يدَعْ للخير مطلبًا، ولا من الشرّ مهربًا. والله المستعان.
فصل
فإن لم ترُعْك٢ هذه العقوبات، ولم تجد٣ لها تأثيرًا في قلبك، فأحضِره٤ العقوباتِ الشرعيةَ التي شرعها الله ورسوله على الجرائم، كما قطع اليد في سرقة ثلاثة دراهم، وقطَع اليدَ والرجلَ في قطع الطريق على معصوم المال والنفس. وشقَّ الجلدَ بالسوط على كلمة قذفٍ لمحصَن، أو قطرةِ خمرٍ يُدخِلها جوفَه. وقتَلَ بالحجارة أشنعَ قِتلةٍ في إيلاج الحشفة في فرج حرام، وخفّف هذه العقوبة عمّن لم يتم عليه نعمة الإحصان بمائة جَلدةٍ ونفي سنة عن وطنه وبلده إلى بلاد الغربة. وفرّق بين رأس العبد وبدنه إذا وقع على ذاتِ رحمٍ محرّم منه٥، أو ترَكَ الصلاةَ المفروضة، أو تكلم بكلمة كفر. وأمر بقتلِ من وطئ ذكرًا مثله
(١) لمحمود الورّاق. ورواية البيت الأول في محاضرات الأدباء (٢/ ٤٠٧): عمرُك قد أفنيتَه تحتمي … فيه من الباردِ والحارِ وانظر ديوانه (٨٧).
(٢) راعه: أفزعه. ويحتمل: "لم يَزَعْك"، من وزعه: كفه وزجره.
(٣) ز: "فإن لم تجد"، فأسقط: "لم ترعك … ولم".
(٤) ز: "فأحضر".
(٥) "منه" ساقط من ل. وفي ز: "رحم ذات محرم".
وقتلِ المفعول به. وأمر بقتل من أتى بهيمةً وقتل البهيمة معه. وعزم على تحريق بيوت المتخلفين عن الصلاة في الجماعة. وغير ذلك من العقوبات التي رتّبها على الجرائم، وجعلها بحكمته على حسب الدواعي إلى تلك الجرائم١، وحسب الوازع عنها.
فما كان الوازع عنه طبيعيًّا٢ وليس في الطباع داعٍ إليه اكتفى فيه بالتحريم مع التعزير ولم يرتّب عليه حدًّا كأكل الرجيع، وشرب الدم، وأكل الميتة. وما كان في الطباع داعٍ إليه رتّب عليه من العقوبة بقدر مفسدته وبقدر داعي الطبع إليه٣.
ولهذا لما كان داعي الطباع إلى الزِّنى من أقوى الدواعي كانت عقوبته العظمى أشنعَ القتلات٤ وأعظمَها، وعقوبته السهلة أعلى أنواع الجَلْد مع زيادة التغريب. ولما كان اللواط فيه الأمران كان حدّه القتل بكل حال. ولما كان داعي السرقة قويًّا، ومفسدتها كذلك، قطع فيها٥ اليد.
وتأمّلْ حكمتَه في إفساد العضو الذي باشرَ به الجناية، كما أفسد على قاطع الطريق يدَه ورجلُه اللتين هما آلة قطعه، ولم يُفسِدْ على القاذف لسانَه الذي جنى به، إذ مفسدة قطعه تزيد على مفسدة الجناية ولا تبلغها، فاكتفى من ذلك بإيلام جميع بدنه بالجلد.