الداء والدواء

فإن قيل: فهلّا أفسد على الزاني فرجه الذي باشر به المعصية؟ قيل١: لوجوه:

أحدها: أن مفسدة ذلك تزيد على مفسدة الجناية، إذ فيه قطع النسل وتعريضه للهلاك.

الثاني: أنّ الفرج عضو مستور لا يحصل بقطعه مقصود الحدّ من الردع والزجر لأمثاله من الجُناة، بخلاف قطع اليد.

الثالث: أنّه إذا قطع يدَه أبقى له يدًا أخرى تُعوِّض عنها، بخلاف الفرج.

الرابع: أنّ لذة الزنى عمّت جميع البدن، فكان الأحسن أن تعمّ العقوبة جميع البدن، وذلك أولى من تخصيصها ببَضْعة منه.

فعقوبات الشارع جاءت على أتمّ الوجوه، وأوفقِها للعقل، وأقوَمِها بالمصلحة.

والمقصود أنّ الذنوب إمّا أن تترتّب٢ عليها العقوبات الشرعية أو القدرية٣، أو يجمعهما الله للعبد، وقد يرفعهما٤ عفن تاب وأحسن.

فصل

وعقوبات الذنوب نوعان: شرعية وقدرية. فإذا أقيمت الشرعيةُ٥

  1. (١) زيد في بعض الطبعات بعد "قيل": "لا"، وهو مفسد للسياق.
  2. (٢) ف: "ترتب".
  3. (٣) ف، ل: "والقدرية".
  4. (٤) ف، ل: "يجمعها … يرفعها".
  5. (٥) ز: "فالشرعية إذا أقيمت".
260

رفَعَتْ العقوباتِ القدريةَ أو خففتها. ولا يكاد الربّ تعالى يجمع على عبده١ بين العقوبتين، إلا إذا لم تفِ إحداهما برفع موجَب الذنب ولم تكفِ في زوال دائه٢.

وإذا عُطِّلت العقوبات الشرعية استحالت قدريةً، وربما كانت أشدّ من الشرعية، وربما كانت دونها، ولكنّها تعمّ، والشرعية تخصّ، فإنّ الرب ﵎ لا يعاقِب شرعًا إلا من باشر الجناية أو تسبّب إليها. وأما العقوبة القدرية فإنها تقع عامّةً وخاصّةً، فإنّ المعصية إذا خفيت لم تضرّ إلا صاحبَها، وإذا أُعلِنت ضرّت الخاصة والعامة. وإذا رأى الناس المنكر فاشتركوا في ترك إنكاره أوشك أن يعمّهم الله بعقابه.

وقد تقدّم أنّ العقوبة الشرعية شرعها الله سبحانه على قدر مفسدة الذنب وتقاضي الطبع له٣، وجعلها سبحانه ثلاثة أنواع: القتل، والقطع، والجلد. وجعل القتل بإزاء الكفر وما يليه ويقرب منه، وهو الزنا واللواط، فإنّ هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد الأنساب ونوع الإنسان.

قال الإِمام أحمد: لا أعلم بعد القتل ذنبًا أعظم من الزنى٤، واحتجّ بحديث عبد الله بن مسعود أنه قال: يا رسول الله أيّ الذنب أعظم٥؟ قال: "أن تجعل لله نِدًّا وهو خَلَقَك" قال: قلتُ: ثمّ أيّ؟ قال: "أن تقتل ولدك مخافةَ أن يطعَمَ معك". قال: قلتُ: ثمّ أيّ؟ قال: "أن تُزانيَ

  1. (١) ف: "العبد".
  2. (٢) ف، ز: "ذاته".
  3. (٣) ف: "لها".
  4. (٤) نقله المؤلف في روضة المحبين (٤٩٧) أيضًا.
  5. (٥) "من الزنى … أعظم" ساقط من س.
261

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي