جاره١ بأعلى أنواع الأذى، وذلك من أعظم البوائق. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يدخل الجنةَ من لا يأمن جارُه بوائقَه"٢. ولا بائقةَ أعظمُ من الزنى بامرأته، فالزنى بمائة امرأة لا زوج لها أيسرُ عند الله من الزنى بامرأة الجار.
فإن كان الجار أخًا له أو قريبًا من أقاربه انضمّ إلى ذلك قطيعةُ الرحم، فيتضاعف٣ الإثم.
فإن كان الجار غائبًا في طاعة الله كالصلاة وطلب العلم والجهاد تضاعفَ الإثمُ، حتّى إنّ الزاني بامرأة الغازي في سبيل الله يوقَف له يوم القيامة، ويقال٤: خُذ من حسناته ما شئتَ. قال النبي- ﷺ: "فما ظنّكم؟ "٥ أي ما ظنّكم أن٦ يترك له من حسنات؟ قد حُكِّم في أن يأخذ منها ما شاء، على شدة الحاجة إلى حسنة واحدة، حيثُ لا يترك
(١) زاد في ف بعد "جاره": "بالزنى".
(٢) من حديث أبي هريرة ﵁، أخرجه مسلم في الإيمان، باب بيان تحريم إيذاء الجار (٤٦). والبوائق جمع بائقة، وهي الغائلة والداهية والفتك. (شرح النووي ٢/ ٣٧٧).
(٣) س: "فيضاعف". ز: "فتضاعف".
(٤) ز: "ويقال له".
(٥) من حديث بريدة ﵁ ونصه: قال رسول الله ﷺ: "حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم، وما من رجل من القاعدين يخلف رجلًا من المجاهدين في أهله، فيخونه فيهم، إلا وقف له يوم القيامة، فيأخذ من عمله ماشاء، فما ظنكم؟ ". أخرجه مسلم في الإمارة، باب حرمة نساء المجاهدين (١٨٩٧).
(٦) ل: "أي ظنكم أنه". وفي ز أيضًا: "أنه".
الأب لابنه ولا الصديق لصديقه حقًا يجب له١ عليه.
فإن اتفق أن تكون المرأة رحمًا منه انضاف إلى ذلك قطيعة رحمها.
فإن اتفق أن يكون الزاني محصَنًا كان الإثم أعظم، فإن كان شيخًا كان أعظم إثمًا٢، وهو أحد الثلاثة الذين لا يكلّمهم الله يوم القيامة، ولا يزكّيهم، ولهم عذاب أليم٣.
فإن اقترن بذلك أن يكون في شهر حرام، أو بلد حرام، أو وقت معظّم عند الله كأوقات الصلاة وأوقات الإجابة = تضاعف الإثمُ.
وعلى هذا فاعتبِر مفاسدَ الذنوب، وتضاعُفَ درجاتها في الإثم والعقوبة. والله المستعان.
فصل
وجعل سبحانه القطعَ بإزاء إفساد الأموال الذي لا يمكن الاحتراز منه، فإنّ السارق لا يمكن الاحتراز منه؛ لأنّه يأخذ المال في اختفاء، وينقُب الدُّورَ، ويتسوّر من غير الأبواب، فهو كالسنّور أو الحية٤ التي تدخل عليك من حيث لا تعلم. فلم ترتفع مفسدة سرقته إلى القتل، ولا تندفعُ بالجلد، فأحسنُ ما دُفِعَتْ به مفسدتُه إبانة العضو الذي يتسلّط به على الجناية.
(١) "له" ساقط من ز.
(٢) ز: "كان الإثم أعظم".
(٣) كما في حديث أبي هريرة ﵁، أخرجه مسلم في الإيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار … (١٠٧).