وهل يجتمع التعزير والكفارة في المعصية التي لا حد فيها؟ فيه وجهان. وهذا كالوطء في الإحرام والصيام، ووطء الحائض، إذا أوجبنا فيه الكفارة. فقيل: يجب التعزير لما انتُهِك من الحرمة بركوب الجناية. وقيل: لا تعزير في ذلك اكتفاء بالكفارة؛ لأنها١ جابرة وماحية.
فصل
وأما العقوبات القدرية فهي نوعان: نوع على القلوب والنفوس، ونوع على الأبدان والأموال.
والتي على القلوب٢ نوعان:
أحدهما: آلام وجودية يُضرَب بها القلبُ.
والثاني: قطع الموادّ التي بها حياته وصلاحه عنه. وإذا قطعت٣ عنه حصل له أضدادها.
وعقوبة القلوب أشد العقوبتين، وهي أصل عقوبة الأبدان. وهذه العقوبة تقوى وتتزايد حتى تسري من القلب إلى البدن، كما يسري ألم البدن إلى القلب. فإذا فارقت النفسُ البدنَ صار الحكم متعلّقًا بها، فظهرت عقوبة القلب حينئذ، وصارت عيانيّة٤ ظاهرةً، وهي المسمّاة بعذاب القبر. ونسبته إلى البرزخ كنسبة عذاب الأبدان إلى هذه الدار.
(١) ل: "ولأنها".
(٢) ف: "على القلب".
(٣) ل: "فإذا … ". ف: "وإذا انقطعت".
(٤) ف، ز: "عنايته". ل: "غايبه". وكلاهما تصحيف.
فصل
والتي على الأبدان أيضًا نوعان: نوعٌ في الدنيا. ونوع في الأخرى.
وشدّتها ودوامها بحسب مفاسد ما رُتبت عليه في الشدة والخفّة.
فليس في الدنيا والآخرة١ شرّ أصلًا إلا الذنوب وعقوباتها، فالشر٢ اسم لذلك كله. وأصله من شرّ النفس وسيئات الأعمال، وهما الأصلان اللذان كان النبي ﷺ يستعيذ منهما في خطبته بقوله: "ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا"٣. وسيئات الأعمال من شرور النفس، فعاد الشرّ كلّه إلى شرّ النفس، فإنّ سيئات الأعمال من فروعه وثمراته.
وقد اختلف في معنى قوله: "ومن سيئات أعمالنا"، هل معناه:
(١) "والآخرة" ساقط من س.
(٢) ز: "والشر".
(٣) أخرجه الترمذي (١١٠٥) وأحمد ١/ ٣٩٣ (٣٧٢١)، ١/ ٤٣٢ (٤١١٦) وابن ماجه (١٨٩٢) والنسائي (١١٦٤) وأبو داود (٢١١٨) وأبو الشيخ في ذكر رواية الأقران (٥١، ٥٢) وغيرهم، من طريق الأعمش ويونس بن أبي إسحاق وشعبة وإسرائيل كلهم عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا في خطبة الحاجة. ورواه شعبة والثوري وغيرهما عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود. أخرجه أحمد (٣٧٢٠، ٤١١٥) وغيره. قال الترمذي بعد ذكر الطريقين: "وكلا الحديثين صحيح؛ لأن إسرائيل جمعهما فقال: عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص وأبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ. وثبت هذا أيضًا من حديث ابن عباس في قصة قوم ضماد. أخرجه الطبراني ٨/ ٣٥٤ (٨١٤٨). وأصله عند مسلم (٨٦٨).