والتي على الأبدان أيضًا نوعان: نوعٌ في الدنيا. ونوع في الأخرى.
وشدّتها ودوامها بحسب مفاسد ما رُتبت عليه في الشدة والخفّة.
فليس في الدنيا والآخرة١ شرّ أصلًا إلا الذنوب وعقوباتها، فالشر٢ اسم لذلك كله. وأصله من شرّ النفس وسيئات الأعمال، وهما الأصلان اللذان كان النبي ﷺ يستعيذ منهما في خطبته بقوله: "ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا"٣. وسيئات الأعمال من شرور النفس، فعاد الشرّ كلّه إلى شرّ النفس، فإنّ سيئات الأعمال من فروعه وثمراته.
وقد اختلف في معنى قوله: "ومن سيئات أعمالنا"، هل معناه:
(١) "والآخرة" ساقط من س.
(٢) ز: "والشر".
(٣) أخرجه الترمذي (١١٠٥) وأحمد ١/ ٣٩٣ (٣٧٢١)، ١/ ٤٣٢ (٤١١٦) وابن ماجه (١٨٩٢) والنسائي (١١٦٤) وأبو داود (٢١١٨) وأبو الشيخ في ذكر رواية الأقران (٥١، ٥٢) وغيرهم، من طريق الأعمش ويونس بن أبي إسحاق وشعبة وإسرائيل كلهم عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا في خطبة الحاجة. ورواه شعبة والثوري وغيرهما عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود. أخرجه أحمد (٣٧٢٠، ٤١١٥) وغيره. قال الترمذي بعد ذكر الطريقين: "وكلا الحديثين صحيح؛ لأن إسرائيل جمعهما فقال: عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص وأبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ. وثبت هذا أيضًا من حديث ابن عباس في قصة قوم ضماد. أخرجه الطبراني ٨/ ٣٥٤ (٨١٤٨). وأصله عند مسلم (٨٦٨).
السيّئ من أعمالنا، فيكون من باب إضافة النوع إلى جنسه ويكون بمعنى "من"؟ وقيل: معناه: من عقوباتها التي تسوء، فيكون التقدير: ومن عقوبات أعمالنا التي تسوؤنا١.
ويرجِّح هذا القول أنّ الاستعاذة تكون قد تضمّنت جميع الشرّ، فإنّ شرور الأنفس تستلزم الأعمال السيئة، وهي تستلزم العقوبات السيئة فنبّه بشرور الأنفس على ما تقتضيه من قبح الأعمال، واكتفى بذكرها منه إذ هي أصله. ثم ذكر غاية الشرّ ومنتهاه، وهو السيئات التي تسوء العبد من عمله من العقوبات والآلام. فتضمنت هذه الاستعاذة أصلَ الشرِّ، وفروعَه، وغايتَه، ومقتضاه٢.
ومن دعاء الملائكة للمؤمنين قولهم: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾[غافر: ٩]. فهذا يتضمن طلبَ وقايتهم٣ من سيئات الأعمال وعقوباتها التي تسوء صاحبها، فإنّه سبحانه متى وقاهم العملَ السيّئَ وقاهم جزاءه السيّئ، وإن كان قوله٤: ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ أظهرَ في عقوبات الأعمال المطلوبِ وقايتُها يومئذ.
فإن قيل: فقد سألوه سبحانه أن يقيَهم عذاب الجحيم، وهذا هو وقاية العقوبات السيئة، فدلّ على أنّ المراد بالسيئات التي سألوا وقايتها: الأعمال السيئة، ويكون الذي سأله الملائكة نظيرَ ما استعاذ منه