الأشقياء، ولا أشقى ممن لم تسعه رحمته التي١ وسعَتْ كلَّ شيء.
ثم سألوه٢ أن يغفر للتائبين الذين اتبعوا سبيله -وهو صراطه الموصل إليه الذي هو معرفته ومحبته وطاعته- فتابوا ممّا يكره، واتّبعوا السبيل التي يحبها.
ثم سألوه أن يقيهم عذاب الجحيم، وأن يدخلهم والمؤمنين من أصولهم وفروعهم وأزواجهم جنّاتِ عدن التي وعدهم بها. وهو سبحانه وإن كان لا يخلف الميعاد فإنّه وعدهم بها٣ بأسباب من جملتها: دعاء ملائكته لهم بأن يدخلهم إياها برحمته، فدخلوها٤ برحمته التي منها أن وفّقهم لأعمالها، وأقام ملائكته يدعون لهم بدخولها.
ثم أخبر سبحانه عن ملائكته أنّهم قالوا عقيب هذه الدعوة: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ٨﴾ أي مصدر ذلك وسببه وغايته صادر عن كمال قدرتك وكمال علمك. فالعزة كمال القدرة، والحكمة كمال العلم. وبهاتين الصفتين يقضي سبحانه ما يشاء٥، ويأمر وينهى، ويثيب ويعاقب. فهاتان الصفتان مصدر الخلق والأمر.
والمقصود: أنّ عقوبات السيئات تتنوع إلى: عقوباتٍ شرعيةٍ.
وعقوباتٍ قدريةٍ. وهي إما في القلب، وإما في البدن، وإما فيهما. وعقوباتٍ في دار البرزخ١ بعد الموت. وعقوباتٍ يوم حشر الأجساد.
فالذنب لا يخلو من عقوبة البتة، ولكن لجهل العبد لا يشعر بما هو٢ فيه من العقوبة؛ لأنّه بمنزلة السكران والمخدَّر والنائم الذي لا يشعر بالألم، فإذا استيقظ وصحا أحسّ بالمؤلم. فترتّبُ العقوبات على الذنوب٣ كترتّب الإحراق على النار، والكسر على الانكسار٤، والإغراق على الماء، وفساد البدن على السموم، والأمراض على الأسباب الجالبة لها.
وقد تقارن المضرة للذنب، وقد تتأخر عنه إمّا يسيرًا وإمّا مدةً٥، كما يتأخر المرض عن سببه أو يقارنه. وكثيرًا ما يقع الغلط للعبد في هذا المقام، ويذنب الذنب فلا يرى أثره عقيبه، ولا يدري أنه يعمل عمله على التدريج شيئًا فشيئًا، كما تعمل السموم والأشياء الضارّة حذو القُذّة بالقذّة. فإنْ تدارك العبدُ بالأدوية والاستفراغ والحمية وإلا٦ فهو صائر إلى الهلاك. هذا إذا كان ذنبًا واحدًا لم يتداركه بما يزيل أثره، فكيف بالذنب على الذنب كلّ يوم٧ وكلّ ساعة؟ فالله المستعان.
(١) ف: "وعقوبات دار البرزخ".
(٢) "هو" ساقط من ف.
(٣) "على" ساقط من س.
(٤) كذا في جميع النسخ، ومقتضى السياق: "والانكسار على الكسر".
(٥) س: "أو مدة". ونحوه في ل، ز مع تحريف.
(٦) "وإلا" ساقط من س.
(٧) س: "بالذنب على كل يوم"، فأسقط كلمة "الذنب" الثانية.