وعقوباتٍ قدريةٍ. وهي إما في القلب، وإما في البدن، وإما فيهما. وعقوباتٍ في دار البرزخ١ بعد الموت. وعقوباتٍ يوم حشر الأجساد.
فالذنب لا يخلو من عقوبة البتة، ولكن لجهل العبد لا يشعر بما هو٢ فيه من العقوبة؛ لأنّه بمنزلة السكران والمخدَّر والنائم الذي لا يشعر بالألم، فإذا استيقظ وصحا أحسّ بالمؤلم. فترتّبُ العقوبات على الذنوب٣ كترتّب الإحراق على النار، والكسر على الانكسار٤، والإغراق على الماء، وفساد البدن على السموم، والأمراض على الأسباب الجالبة لها.
وقد تقارن المضرة للذنب، وقد تتأخر عنه إمّا يسيرًا وإمّا مدةً٥، كما يتأخر المرض عن سببه أو يقارنه. وكثيرًا ما يقع الغلط للعبد في هذا المقام، ويذنب الذنب فلا يرى أثره عقيبه، ولا يدري أنه يعمل عمله على التدريج شيئًا فشيئًا، كما تعمل السموم والأشياء الضارّة حذو القُذّة بالقذّة. فإنْ تدارك العبدُ بالأدوية والاستفراغ والحمية وإلا٦ فهو صائر إلى الهلاك. هذا إذا كان ذنبًا واحدًا لم يتداركه بما يزيل أثره، فكيف بالذنب على الذنب كلّ يوم٧ وكلّ ساعة؟ فالله المستعان.
(١) ف: "وعقوبات دار البرزخ".
(٢) "هو" ساقط من ف.
(٣) "على" ساقط من س.
(٤) كذا في جميع النسخ، ومقتضى السياق: "والانكسار على الكسر".
(٥) س: "أو مدة". ونحوه في ل، ز مع تحريف.
(٦) "وإلا" ساقط من س.
(٧) س: "بالذنب على كل يوم"، فأسقط كلمة "الذنب" الثانية.
فصل
فاستحضِرْ بعض العقوبات التي رتّبها الله سبحانه على الذنوب، وجوِّزْ وصول بعضها إليك، واجعل ذلك١ داعيًا للنفس إلى هجرانها. وأنا أسوق لك منها طرفًا يكفي العاقل مع التصديق ببعضه.
فمنها: الختم على القلوب والأسماع، والغشاوة على الأبصار، والإقفال على القلوب، وجعل الأكِنّة عليها، والرين عليها والطبع، وتقليب الأفئدة والأبصار، والحيلولة بين المرء وقلبه، وإغفال القلب
عن ذكر الربّ، وإنساء الإنسان نفسه، وترك إرادة الله تطهيرَ القلب، وجعل الصدر ضيّقًا حرجًا كأنما يصعّد في السماء، وصرف القلوب عن الحق، وزيادتها مرضًا على مرضها، وإركاسها ونكسها بحيث تبقى منكوسة؛ كما ذكر الإِمام أحمد٢ عن حذيفة بن اليمان ﵁ أنه قال: القلوب أربعة: فقلبٌ أجرَدُ فيه سراج يُزهِر، فذلك قلب المؤمن. وقلبٌ أغلَفُ، فذلك قلب الكافر. وقلبٌ منكوس، فذلك
(١) "ذلك" ساقط من ز.
(٢) لم أقف عليه عند أحمد، ولعله في الزهد له فالمطبوع ناقص. والأثر أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٤٣٩) والطبري (١/ ٤٠٦) وابن أبي شيبة (٣٠٣٩٥، ٣٧٣٨٤) والخطابي في الغريب (١/ ٣٣٢) وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٧٦)، من طريق الأعمش وأبان بن تغلب وقيس بن الربيع وعمرو بن قيس الملائي كلهم عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن حذيفة فذكره موقوفًا. خالفهم ليث بن أبي سليم عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن أبي سعيد عن النبي ﷺ فذكره مطولًا. أخرجه أحمد في المسند ٣/ ١٧ (١١١٢٩)، وليث مخلّط، والأثر مع وقفه في سنده انقطاع، فأبو البختري: سعيد بن فيروز، لم يدرك حذيفة بن اليمان ﵄.