الداء والدواء

المسكين الذي لا يسأل الناس، ولا يُفطَن له فيتُصدّقَ عليه"١ ونظائره كثيرة.

والمقصود أنّ من عقوبات المعاصي جعلَ القلبِ أعمى أصمّ أبكم.

ومنها: الخسف بالقلب، كما يخسف بالمكان وما فيه، فيخسف به إلى أسفل سافلين، وصاحبه لا يشعر. وعلامة الخسف به أن لا يزال جوّالًا حول السفليات والقاذورات والرذائل، كما أنّ القلب الذي رفعه الله وقرّبه إليه لا يزال جوّالًا حول البر والخير ومعالي الأعمال والأقوال والأخلاق.

قال بعض السلف: إنّ هذه القلوب جوّالة، فمنها ما يجول حول العرش، ومنها ما يجول حول الحُشّ٢.

ومنها: مسخ القلب، فيُمسَخ كما تمسخ الصورة، فيصير القلب على قلب الحيوان الذي شابهه في أخلاقه وأعماله وطبيعته. فمن القلوب ما يمسَخ على خُلُق خنزير٣ لشدة شبه صاحبه به٤، ومنها ما

  1. (١) من حديث أبي هريرة ﵁ أيضًا. أخرجه البخاري في الزكاة، باب قول الله ﷿ ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ … (١٤٧٩)؛ ومسلم في الزكاة، باب المسكين الذي لا يجد غنى … (١٠٣٩).
  2. (٢) ذكره المؤلف في المفتاح (١/ ٤٦٦)، وشيخ الإِسلام في مجموع الفتاوى (٥/ ٥٢٤). وهو من كلام أحمد بن خضرويه البلخي من أصحاب حاتم الأصمّ (٢٣٧ هـ). طبقات الصوفية (١٠٤)، صفة الصفوة (٢/ ٢٩٥). والحشّ: موضع قضاء الحاجة.
  3. (٣) ف: "قلب خنزير".
  4. (٤) "شبه" ساقط من ز.
275

يمسخ على خُلُق١ كلب أو حمار أو حيّة أو عقرب وغير ذلك٢.

وهذا تأويل سفيان بن عيينة في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] قال: منهم من يكون على أخلاق السباع العادية، ومنهم من يكون على أخلاق الكلاب وأخلاق الخنزير٣ وأخلاق الحمار، ومنهم من يتطوّس في ثيابه كما يتطوّس

الطاووس في ريشه، ومنهم من يكون بليدًا كالحمار، ومنهم من يؤثر على نفسه كالديك، ومنهم من يألَف ويُؤلَف كالحمام، ومنهم الحقود كالجمل، ومنهم الذي هو خير كلّه كالغنم، ومنهم أشباه الذئاب، ومنهم أشباه الثعالب التي تروغ كروغانها٤.

وقد شبّه الله تعالى أهل الجهل٥ والغيّ بالحُمُر تارةً٦، وبالكلب تارةً٧، وبالأنعام تارةً٨. وتقوى هذه المشابهة باطنًا، حتّى تظهر في

  1. (١) "خنزير … خلق" ساقط من س.
  2. (٢) ز: "أو غير ذلك".
  3. (٣) س: "الخنازير".
  4. (٤) انظر العزلة للخطابي (١٥٩) وتفسير القرطبي (٦/ ٢٧٠).
  5. (٥) س: "أصحاب هذا الجهل".
  6. (٦) قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ٥﴾ [الجمعة: ٥].
  7. (٧) قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ١٧٥ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ١٧٦﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦].
  8. (٨) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ =
276

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي