الداء والدواء

منكرًا والمنكرَ معروفًا، ويُفسد ويرى أنه يُصلح، ويصدّ عن سبيل الله وهو يرى أنه يدعو إليها١، ويشتري الضلالة بالهدى وهو يرى أنّه على الهدى، ويتّبع٢ هواه وهو يزعم أنه مطيع لمولاه. وكلّ هذا من عقوبات الذنوب الجارية على القلوب.

ومنها: حجاب القلب عن الربّ في الدنيا، والحجاب الأكبر يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ١٤ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ١٥﴾ [المطففين: ١٤ - ١٥]. فمنعتهم الذنوب أن يقطعوا المسافة بينهم وبيّن قلوبهم، فيصلوا إليها، فيَروا ما يُصلِحها ويزكّيها، وما يُفسدها ويُشقيها؟ وأن يقطعوا المسافة بين قلوبهم وبيّن ربهم، فتصل القلوب إليه، فتفوز بقربه وكرامته، وتقرَّ به عينًا، وتطيب به نفسًا، بل كانت الذنوب حجابًا بينهم وبيّن قلوبهم، وحجابًا بينهم وبيّن ربّهم وخالقهم.

ومنها: المعيشة الضَّنْك في الدنيا وفي البرزخ، والعذاب في الآخرة. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ١٢٤﴾ [طه: ١٢٤].

وفُسِّرت المعيشة الضنك بعذاب القبر٣، ولا ريب أنّه من المعيشة

  1. (١) ف:"إليه".
  2. (٢) ز: "فيتبع".
  3. (٣) كما جاء من حديث أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي ﷺ، وعن ابن مسعود وابن عباس موقوفًا. فأما حديث أبي هريرة فأخرجه ابن حبان (٣١١٩) من طريق حماد بن سلمة مرفوعًا. وروي عنه موقوفًا أخرجه الحاكم ١/ ٥٣٧ (١٤٠٥).
    ووافقه على الوقف عبدة ويزيد بن هارون. أخرجه الطبري (١٦/ ٢٢٧ - ٢٢٨)، =
278

الضنك، والآية تتناول ما هو أعمُّ منه، وإن كانت نكرةً في سياق الإثبات، فإنّ عمومها من حيث المعنى١، فإنّه سبحانه رتب المعيشة الضنك على الإعراض عن ذكره.

فالمعرض عنه له من ضنك المعيشة٢ بحسب إعراضه، وإن تنعّم في الدنيا بأصناف النعيم، ففي قلبه من الوحشة والذل والحسرات التي تقطع القلوب والأماني الباطلة والعذاب الحاضر ما فيه، وإنّما يواريه عنه سكرُ الشهوات والعشق وحبّ الدنيا والرياسة، إن لم ينضمَّ إلى ذلك سكرُ الخمر! فسكر هذه الأمور أعظم من سكر الخمر، فإنّه يفيق صاحبه ويصحو، وسكرُ الهوى وحبّ الدنيا لا يصحو٣ صاحبه إلا إذا

  1. = وفي تهذيب الآثار (مسند عمر- ٧٢٨) وابن أبي شيبة ٣/ ٥٩ (١٢٠٦١) وهنّاد (٣٥٤).
    وأما حديث أبي سعيد الخدري فأخرجه مرفوعًا الحاكم ٢/ ٤١٣ (٣٤٣٩) والبيهقي في عذاب القبر (٥٨، ٥٩). وروي من طرق أخرى موقوفًا. أخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ١٤٤ (٣٤٨٣٧) والطبري (١٦/ ٢٢٨) والبيهقي في عذاب القبر (٥٩). والموقوف أصح.
    ورواه أيضًا ابن أبي هلال عن أبي حازم عن أبي سعيد موقوفًا. أخرجه الطبري (١٦/ ٢٢٧).
    وأما أثر ابن مسعود موقوفًا فأخرجه هناد في الزهد (٣٥٢) والطبراني (٩/ رقم ٩١٤٣) والطبري (١٦/ ٢٢٨) وسنده حسن.
    وأما أثر ابن عباس فأخرجه البيهقي في عذاب القبر (٦٨) وسنده حسن.
    وجاء أيضًا عن السدي وأبي صالح ومجاهد وزاذان. انظر الطبري (١٦/ ٢٢٨) وعذاب القبر للبيهقي (٦٣، ٦٤).
  2. (١) وانظر الفوائد (١٦٨)، ومدارج السالكين (١/ ٤٢٢)، (٣/ ٢٥٩).
  3. (٢) "الضنك على الإعراض … المعيشة" ساقط من ت.
  4. (٣) ز: "لا يفيق".
279

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي